البابا الجديد والتحديات المعاصرة – القمص أبرام سليمان


أثق أن الروح القدس الذي اختار ومسح داود ابن يسى راعي الغنم ليكون ملكا لشعبه، هو نفس الروح القدس الذي اختار ومسح بطرس صياد السمك ليكون واحدا من الرسل العظماء، وهو نفس الروح الذي سيختار ويمسح بابا الكنيسة الجديد…

وفي كثير من المرات عبر التاريخ – أثناء خلو الكرسي البابوي – انزعج الكثيرون بسبب تنفيذ لوائح وقوانين في مخالفة لقوانين بعض المجامع، الأمر الذي يشعر به الكثيرون هذه الأيام أيضا، ويتساءلون بشأنه… وكنت أود لو كانت هناك فرصة مناسبة ليقوم الآباء الموقرون بالمجمع المقدس بتعديل لائحة اختيار الآب البطريرك لتناسب ظروف الكنيسة في عصرنا الحالي، بما في ذلك من له الحق في الترشيح ومن له الحق في التزكية والانتخاب.

مع الوعي الكامل بايجابيات وسلبيات اللائحة السارية حاليا لانتخاب الآب البطريرك، أرجو من كل قلبي ألا تكون هذه الأمور موضوع انقسام أو جدل بين آباء الكنيسة وأبنائها، بل بخضوع بنوي يجب أن نقبل بكل شكر وتقدير ما قرره وما يقرره الأباء المعتبرون أعمدة بالكنيسة في المجمع المقدس برئاسة نيافة القائم مقام الأنبا باخوميوس بشأن إجراءات الترشيح والانتخاب للبابا الجديد، وذلك حفاظا علي وحدة الكنيسة وسلامها، وبالأخص في هذا الوقت العصيب الذي تمر به الكنيسة في مصر…

وبعيدا عن زحمة هذه الاجراءات، يجب أن نعرف بهدوء ما ينبغي أن نصلي من أجله لشخص الأب المكرم البابا الجديد، وبالأخص لما سيواجهه في هذه الفترة الحرجة في تاريخ الكنيسة… لا شك أن الأب المكرم البابا الجديد سيواجه تحديات كثيرة معاصرة، وغلبته علي هذه التحديات ليست فقط أمرا مرهونا بعمل النعمة التي إختارته وأقامته في هذه الدرجة المقدسة، بل أيضا مرهونا علي شخص المختار من الله وكيفية مواجهتة لهذه التحديات بقلب حكيم مميز للأمور في طلب مستمر للحكمة والمعونة السماوية، وذلك حتي يقود سفينة الكنيسة بأمان ولا يتوه بها في بحر هذا العالم.

وربما يتضح ما أقصده وتندهش بالأكثر إذا ذكرت لك بعضا من الأمور في الكتاب المقدس التي جعلتني أفكر هكذا… ففي العهد القديم اختار الرب بنفسه هارون بنفسه ليكهن له (خروج 28 : 1، خروج 30 : 30)، وصار هارون بمثابة رئيس الكهنة، وصار أبناؤه أول جيل للكهنة اللاويين. وفي العهد الجديد ثبت القديس بولس الرسول وظيفة وطريقة اختيار رئيس الكهنة بدعوة من الله علي مثال هارون أيضا (عبرانيين 5 : 1-4). ولكن حتي هذه الدعوة الإلهية الصريحة لم تحصن هارون من خبرة الفشل في مواجهة التحديات المعاصرة له، لأنه لم يكن له ولم يطلب الحكمة السماوية. للأسف أنظر ماذا حدث مع هارون المدعو من الله شخصيا؟ انهزم هارون رئيس الكهنة المدعو من الله – متأثرا تحت الضغط الشعبي المهول – وقاد الشعب لعبادة العجل الذهبي (خروج 32 : 1-6)، وعلى هارون غضب الرب جدا ليبيده، فصلى موسى من أجل هارون في ذلك الوقت (تثنية 9 : 20).

وفي العهد الجديد، اختار السيد المسيح نفسه اثنا عشر رسولا ليكونوا بمثابة أول بطاركة مسكونيين، أقصد ليرسلهم لكل المسكونة، ومع ذلك تندهش لما قاله السيد المسيح عنهم: “أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ الاِثْنَيْ عَشَرَ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ!” (يوحنا 6 : 70).. لقد انهزم يهوذا – المختار بواسطة السيد المسيح نفسه – أمام تحديات عصره لأنه لم يكن له ولم يطلب الحكمة السماوية، ومضى وباع سيده بثلاثين من الفضة (متى 26 : 15)، وعن يهوذا هذا الشيطان قال الرب: “إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ وَلَكِنْ وَيْلٌ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْراً لِذَلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ” (متى 26 : 24)…

بصراحة شديدة وببساطة أشد، أكثر ما يهمني في شخص المختار من الله لرتبة البابوية المقدسة أن يكون له حكمة سليمان، أي له القلب الحكيم المميز لمواجهة التحديات المعاصرة. ولأهمية هذا الأمر اسمح لي أن أذكر ماورد عن سليمان في سفر الملوك الأول: فِي جِبْعُونَ تَرَاءَى الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ فِي حُلْمٍ لَيْلاً. وَقَالَ اللَّهُ: “اسْأَلْ مَاذَا أُعْطِيكَ”. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: “إِنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ مَعَ عَبْدِكَ دَاوُدَ أَبِي رَحْمَةً عَظِيمَةً حَسْبَمَا سَارَ أَمَامَكَ بِأَمَانَةٍ وَبِرٍّ وَاسْتِقَامَةِ قَلْبٍ مَعَكَ، فَحَفِظْتَ لَهُ هَذِهِ الرَّحْمَةَ الْعَظِيمَةَ وَأَعْطَيْتَهُ ابْناً يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّهِ كَهَذَا الْيَوْمِ. وَالآنَ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلَهِي، أَنْتَ مَلَّكْتَ عَبْدَكَ مَكَانَ دَاوُدَ أَبِي، وَأَنَا فَتىً صَغِيرٌ لاَ أَعْلَمُ الْخُرُوجَ وَالدُّخُولَ. وَعَبْدُكَ فِي وَسَطِ شَعْبِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ شَعْبٌ كَثِيرٌ لاَ يُحْصَى وَلاَ يُعَدُّ مِنَ الْكَثْرَةِ. فَأَعْطِ عَبْدَكَ قَلْباً فَهِيماً لأَحْكُمَ عَلَى شَعْبِكَ وَأُمَيِّزَ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، لأَنَّهُ مَنْ يَقْدُرُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى شَعْبِكَ الْعَظِيمِ هَذَا؟”

فَحَسُنَ الْكَلاَمُ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، لأَنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ هَذَا الأَمْرَ. فَقَالَ لَهُ اللَّهُ: “مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قَدْ سَأَلْتَ هَذَا الأَمْرَ وَلَمْ تَسْأَلْ لِنَفْسِكَ أَيَّاماً كَثِيرَةً وَلاَ سَأَلْتَ لِنَفْسِكَ غِنًى وَلاَ سَأَلْتَ أَنْفُسَ أَعْدَائِكَ، بَلْ سَأَلْتَ لِنَفْسِكَ تَمْيِيزاً لِتَفْهَمَ الْحُكْمَ، هُوَذَا قَدْ فَعَلْتُ حَسَبَ كَلاَمِكَ. هُوَذَا أَعْطَيْتُكَ قَلْباً حَكِيماً وَمُمَيِّزاً حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُكَ قَبْلَكَ وَلاَ يَقُومُ بَعْدَكَ نَظِيرُكَ. وَقَدْ أَعْطَيْتُكَ أَيْضاً مَا لَمْ تَسْأَلْهُ، غِنًى وَكَرَامَةً حَتَّى إِنَّهُ لاَ يَكُونُ رَجُلٌ مِثْلَكَ فِي الْمُلُوكِ كُلَّ أَيَّامِكَ. فَإِنْ سَلَكْتَ فِي طَرِيقِي وَحَفِظْتَ فَرَائِضِي وَوَصَايَايَ كَمَا سَلَكَ دَاوُدُ أَبُوكَ فَإِنِّي أُطِيلُ أَيَّامَكَ”. (1 ملوك 3 : 5-14).

وفي ذكر التحديات المعاصرة، قد تكون يا قارئي الحبيب أعظم دراية مني بها، ولكن اسمح لي أن أشاركك بعضا مما يشغل قلبي وصلواتي… ولعلك تشاركني أننا في صراع أشد هذه الأيام مع قوات الظلمة، “فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. (افسس 6 : 12)، وربما أو غالبا نحن نعيش الساعة التي فيها “يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لِلَّهِ” (يوحنا 16 : 2).

ولكن مع هذا كله ربما تكون قد دنت ساعة الولادة لعالم جديد بحسب وعد السيد المسيح: “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ. أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ وَلَكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ. اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ وَلَكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَمِ. فَأَنْتُمْ كَذَلِكَ عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلَكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضاً فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ…” (يوحنا 16 : 20-22)…

وعلي أي الأحوال – مهما كان تشخيص البعض – للزمن الذي نحياه، وكما ذكرت سابقا، نرجو ونصلي أن يكون المختار للبابوية المقدسة له قلب حكيم مميز للأمور لمواجهة التحديات المعاصرة، ليواصل مسيرة سلفه مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث، لأنهطُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَجِدُ الْحِكْمَةَ وَلِلرَّجُلِ الَّذِي يَنَالُ الْفَهْمَ” (امثال 3 : 13)، “بِالْحِكْمَةِ يُبْنَى الْبَيْتُ وَبِالْفَهْمِ يُثَبَّتُ” (امثال 24 : 3).

مع المخاوف الكثيرة التي تنتاب الكثيرين تجاه المستقبل، نرجو ونصلي أن يمنح الرب المختار للبابوبة المقدسة قلبا مستعدا بفكر متجدد لمواجهة المرحلة المقبلة، فقد قال السيد المسيح: “وَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجاً لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟  لِئَلاَّ يَضَعَ الأَسَاسَ وَلاَ يَقْدِرَ أَنْ يُكَمِّلَ فَيَبْتَدِئَ جَمِيعُ النَّاظِرِينَ يَهْزَأُونَ بِهِ  قَائِلِينَ: هَذَا الإِنْسَانُ ابْتَدَأَ يَبْنِي وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُكَمِّلَ. وَأَيُّ مَلِكٍ إِنْ ذَهَبَ لِمُقَاتَلَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي حَرْبٍ لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ الَّذِي يَأْتِي عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفاً؟  وَإِلاَّ فَمَا دَامَ ذَلِكَ بَعِيداً يُرْسِلُ سَفَارَةً وَيَسْأَلُ مَا هُوَ لِلصُّلْحِ” (لوقا 14 : 28-32).

نرجو ونصلي أن يكون المختار للبابوية المقدسة له “فكر المسيح”، لأنه قال:أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي” (يوحنا 14 : 6)، ناظرا إلى “رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ” (عبرانيين 12 : 2)، ونصلي ونرجو أن يكون “مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاِسْتِقَامَةِ” (2 تيموثاوس 2 : 15)، وأن تكون كلمة الله هي النور الذي يكشف له علامات الطريق (مزامير 119 : 105)، وأن تكون هذه العلامات واضحة وعاملة…

قيادة الكنيسة إلي التوبة والرجوع لله

نرجو ونصلي أن يكون المختار للبابوية له القلب الحكيم المميز، الذي يدرك أن رسالة الضيقات والكوارث التي نجوزها هي رسالة توبة بالدرجة الأولي. يقول السيد الرب لشعبه في العهد القديم: “تُوبُوا وَارْجِعُوا عَنْ كُلِّ مَعَاصِيكُمْ، وَلاَ يَكُونُ لَكُمُ الإِثْمُ مَهْلَكَةً. اِطْرَحُوا عَنْكُمْ كُلَّ مَعَاصِيكُمُ الَّتِي عَصِيْتُمْ بِهَا، وَاعْمَلُوا لأَنْفُسِكُمْ قَلْباً جَدِيداً وَرُوحاً جَدِيدَةً. فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ لأَنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ مَنْ يَمُوتُ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. فَارْجِعُوا وَاحْيُوا” (حزقيال 18 : 30-32).

وفي العهد القديم رثى أرميا أوجاع شعبه ودعاهم للتوبة بدون أي مواربة قائلا لهم: “لِمَاذَا يَشْتَكِي الإِنْسَانُ الْحَيُّ الرَّجُلُ مِنْ قِصَاصِ خَطَايَاهُ؟  لِنَفْحَصْ طُرُقَنَا وَنَمْتَحِنْهَا وَنَرْجِعْ إِلَى الرَّبِّ. لِنَرْفَعْ قُلُوبَنَا وَأَيْدِينَا إِلَى اللَّهِ فِي السَّمَاوَاتِ..” (مراثي 3 : 39-41).

وفي العهد الجديد قال الرب لتلاميذه: “أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ وَلَكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ” )متى 5 : 13(… تلاميذ الرب الحقيقيون ملح جيد للعالم، لا يطرح خارجا ولا يداس من الناس…

الله يطلب حركة توبة عامة، ومن أجل توبة الشعب يفتح الله أبواب السماء، وينقذ البلاد من الكوارث، فقد وعد الرب سليمان: “إِنْ أَغْلَقْتُ السَّمَاءَ وَلَمْ يَكُنْ مَطَرٌ وَإِنْ أَمَرْتُ الْجَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ الأَرْضَ وَإِنْ أَرْسَلْتُ وَبَأً عَلَى شَعْبِي ، فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلُّوا وَطَلَبُوا وَجْهِي وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيئَةِ فَإِنِّي أَسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ خَطِيَّتَهُمْ وَأُبْرِئُ أَرْضَهُمْ” (2 اخبار 7 : 13-14).

قيادة الكنيسة إلي الحياة بحسب الانجيل

نرجو ونصلي أن يكون المختار للبابوية له القلب الحكيم المميز، الذي يقود الكنيسة كلها للحياة بحسب الانجيل، كما كتب الرب في أشعياء النبي: “إِلَى الشَّرِيعَةِ وَإِلَى الشَّهَادَةِ. إِنْ لَمْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ فَلَيْسَ لَهُمْ فَجْرٌ!” ) أشعياء 8: 20) ، وكما كتب القديس بولس الرسول لأهل فيلبي: “فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ… غَيْرَ مُخَوَّفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُقَاوِمِينَ… لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضاً أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ” (فيلبي 1: 27-30).

السلاح الذي به نواجه به تحديات العصر هو كلمة الله، فبينما يشن إبليس حربه ضد شعب الله، فليتسلح أولاد الله بالكلمة. يقول القديس بولس الرسول لأهل أفسس: “أَخِيراً يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا. فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ [الحق هو وصايا الله]، وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ [تتميم وصايا الله]، وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ [كلمة الله]. حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ [الإيمان بصدق مواعيد ووصايا الله]، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ. وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ [الخلاص بحسب مواعيد الله]، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ” (افسس 6 : 10-17).

من سيقود الكنيسة إلي الشريعة إلا رئيس الكهنة، الذين قيل عنهم في سفر ملاخي النبي: “لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة. ومن فمه يطلبون الشريعة، لأنه رسول رب الجنود” (ملاخي 2: 7)... وقد علق مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث علي ذلك بقوله: [حقاً، ما أعجب هذا الوصف الذي قيل هنا عن الكاهن إنه " رسول رب الجنود"].

نرجو ونصلي أن يكون المختار للبابوية له القلب الحكيم المميز، الذي يقود الكنيسة كلها للحياة بالمحبة لكل الناس سواء كانوا مسيحيين من الطوائف المختلفة أو مسلمين أو يهود أو غيرهم، وهي محبة حتي للأعداء حسب وصية الرب يسوع: “أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ” (متى 5 : 44)، “لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟” (متى 5 : 46)… ولعلنا جميعا نتذكر باعجاب شديد إجابة مثلث الرحمات قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث علي أحد المستمعين أنه يمكن تقديم الصدقة لأي محتاج سواء كان مسيحيا أو غير مسيحيا.

نرجو ونصلي أن يكون المختار للبابوية له القلب الحكيم المميز، الذي يقود الكنيسة كلها لتكون مثل رئيس الكهنة الأعظم ربنا يسوع المسيح الذي صنع معجزاته حتي مع غير الذين من شعبه، وقدم مثل السامري الصالح، حتى تتحول كل كنائسنا إلي مراكز أو إرساليات لخدمة كل الفقراء في المنطقة سواء كانوا مسيحيين أو غير مسيحيين..

قيادة الكنيسة نحو الوحدة المسيحية

نرجو ونصلي أن يكون المختار للبابوية المقدسة أن يكون له القلب الحكيم والمميز الذي يشعر بأنات قلب الله ليكون شعبه واحدا وله راعيا واحدا.. فقد قال في حزقيال النبي: “وَأُصَيِّرُهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً فِي الأَرْضِ عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ، وَمَلِكٌ وَاحِدٌ يَكُونُ مَلِكاً عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، وَلاَ يَكُونُونَ بَعْدُ أُمَّتَيْنِ، وَلاَ يَنْقَسِمُونَ بَعْدُ إِلَى مَمْلَكَتَيْنِ” (حزقيال 37 : 22)، “وَأُقِيمُ عَلَيْهَا رَاعِياً وَاحِداً فَيَرْعَاهَا عَبْدِي دَاوُدُ [رمز للسيد المسيح]. هُوَ يَرْعَاهَا وَهُوَ يَكُونُ لَهَا رَاعِياً. وَأَنَا الرَّبُّ أَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً، وَعَبْدِي دَاوُدُ رَئِيساً فِي وَسَطِهِمْ. أَنَا الرَّبُّ تَكَلَّمْتُ” (حزقيال 34 : 23-24).

الوحدة المسيحية ليس مجرد اشتياقات شخصية للملايين فقط، بل هي قبل كل شيء هي موضوع إشتياق قلب السيد المسيح لنا، حتي نكون واحدا مع الله…وحدانية الكنيسة كانت موضوع صلاة ربنا يسوع المسيح أمام الآب السماوي في ليلة آلامه، فقد طلب السيد المسيح من الآب أن يكون جميع المؤمنين به واحدا، وذلك علي مثال وحدانيته مع الآب:أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا نَحْنُ” (يوحنا 17 : 11)، وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هَؤُلاَءِ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكلاَمِهِمْ لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِداً كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا…” (يوحنا 17 : 20-21).

العجيب أن رئيس الكهنة الذي حكم علي السيد المسيح بالموت كان قد تنبأ أن موته كان لابد ليجمع أبناء الله المتفرقين إلي واحد، ولقد كان ولازال من أهم أهداف مجيء السيد المسيح وحياته وموته علي الصليب المقدس جمع أولاد الله المتفرقين إلي واحد (يوحنا 11 : 49-52(.

ولأجل الوحدة قال السيد المسيح: وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ. وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ الْحَظِيرَةِ يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضاً فَتَسْمَعُ صَوْتِي، وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ” (يوحنا 10 : 15-16)، وهذا هو الفصل الذي يقرأه المختار للبابوية في طقس رسامته…

اتذكر جيدا صوت قداسة البابا المتنيح الأنبا شنوده الثالث حينما قرأ هذا الفصل من الانجيل (يوحنا 10) يوم سيامته بطريركا، واتذكر أيضا جيدا صورة الأباء والرعاة من الكنائس والطوائف المتعددة وهم مجتمعون حوله في حب واعتزاز… لقد عمل كثيرا من أجل الوحدة ليحقق شهوة قلب المسيح والتي صارت أيضا شهوته قلبه الشخصية، وننتظر من يكمل المسيرة بمثل هذا القلب الحكيم المميز لأهمية الوحدة الكنسية والعمل من أجلها.

قيادة الكنيسة للكرازة بالانجيل

نرجو ونصلي أن يكون المختار للبابوية المقدسة له القلب الحكيم والمميز والملتهب بالرسالة الأساسية للانجيل وهي الأخبار السارة عن خلاص الله المقدم في شخص ربنا يسوع المسيح لكل العالم: “لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ(يوحنا 3 : 16).

        العالم غير المسيحي حولنا – سواء كانوا يهودا او مسلمون أو غيرهم – يتضور جوعا في حاجة إلي كلمة شهادة شجاعة بالانجيل، حتي يعلم ما يفتقده في عقيدته. يحتاج غير المسيحيين أن يعرفوا أن الايمان بان يسوع هو المسيح أبن الله هو الهدف الأساسي لكتابة الانجيل كما قال القديس يوحنا: وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ. (يوحنا 20 : 31).

يحتاج غير المسيحيون أن يسمعوا من المسيحيين كلمة الكرازة بموت المسيح وقيامته، مهما بدت أنها عثرة أو جهالة، وذلك بحسب قول القديس بولس الرسول:وَلَكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوباً: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً!” (1 كورنثوس 1 : 23).

ويحتاج غير المسيحيون أن يسمعوا من المسيحيين كلمة الكرازة أنه لا خلاص بدون شخص السيد المسيح، لأنه “لَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ” (اعمال 4 : 11-12). ولابد أن نبرز هذه الحقيقة الآن بعد أن وصلت الأمور إلي أدنى الدرجات الوحشية في ظل غياب الخلاص بالمسيح عن وعي الكثيرين… وسواء كان هذا وقتا مناسبا أو غير مناسبا للكرازة فقد قال القديس بولس لتلميذه تيموثاؤس: “اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذَلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ…” (2 تيموثاوس 4 : 2).

نرجو ونصلي أن يكون المختار للبابوية المقدسة له القلب الحكيم والمميز الملوء بالرجاء أنه في استطاعة الله أن يعلن مجد المسيح لكل إنسان – بما في ذلك كل مسلم أو يهودي- ويصير كل إنسان إناءا مختارا ليحمل اسم المسيح ويشهد له أمام العالم كله، ويتألم من أجل اسم المسيح مثل شاول الطرسوسي (اعمال 9 : 20-30،1 كورنثوس 15 : 9-11، 1 تيموثاوس 1 : 12-15)، وكيرنيليوس الأممي (أعمال 3:10-35)!!

نرجو ونصلي أن يكون المختار للبابوية المقدسة له القلب الحكيم والمميز الذي لا يطالب فقط بحقوق الضعفاء والمضطهدين، بل يطلب بالأكثر من الله - لأجل الإيمان في نعمة الله الغنية -  أن يبصر كل بشر خلاص الله في شخص المسيح ويقبل الإيمان بالمسيح…ويصير كل إنسان مؤمنا بالله في شخص المسيح وكارزا باسم المسيح. قال الملك أغريباس للقديس بولس الرسول: “ «بِقَلِيلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيّاً”، فأجابه القديس بولس الرسول في شجاعة: “كُنْتُ أُصَلِّي إِلَى اللهِ أَنَّهُ بِقَلِيلٍ وَبِكَثِيرٍ لَيْسَ أَنْتَ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً جَمِيعُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَنِي الْيَوْمَ يَصِيرُونَ هَكَذَا كَمَا أَنَا مَا خَلاَ هَذِهِ الْقُيُودَ” (اعمال 26 : 29).

ختاما

هذا قليل مما نصلي من أجله لشخص الأب المكرم البابا الجديد، وبالأخص لما سيواجهه في هذه الفترة الحرجة في تاريخ الكنيسة…ونؤمن أن الله المبارك هو سيد التاريخ الذي ” لَهُ الْحِكْمَةَ وَالْجَبَرُوتَ. وَهُوَ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالأَزْمِنَةَ. يَعْزِلُ مُلُوكاً وَيُنَصِّبُ مُلُوكاً” (دانيال 2 : 19-21). وما أبهي الرجاء في مستقبل مشرق للكنيسة بحسب قول أشعياء النبي: “أَوْسِعِي مَكَانَ خَيْمَتِكِ وَلْتُبْسَطْ شُقَقُ مَسَاكِنِكِ لأَنَّكِ تَمْتَدِّينَ إِلَى الْيَمِينِ وَإِلَى الْيَسَارِ…” (أشعياء 2:54-3).

تعالوا نصلي معا للآب السماوي: “لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ [بما في ذلك مصر]” (متى 6 : 10)… نصلي أن ينيح الرب نفس أبينا الطوباوي البابا الأنبا شنوده الثالث، ويختار الروح القدس من له مثل قلب سليمان ذو القلب الحكيم المميز للتحديات المعاصرة، ليجلس علي كرسي أبيه داود..  

طوباك ياكنيستنا المجيدة التي ترجو وتصلي وتطلب من الله أن يحقق شهوة قلبها!!! … وطوباك يا أبي القديس المختار للبابوبة المقدسة، فإن عيني الرب تنظران نحوك، وأصابعه المقدسة تشير إليك..!!!

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>