من هو أهم من مصر وأحوالها – 1

لا أحد ينكر أن تتابع الأحداث والأخبار في مصر قد حظى باهتمام كل المصريين في كل العالم، وربما بالأخص اهتمام المسيحيين في داخل مصر وخارجها، ولكن الأمور صارت من إحباط إلى إحباط أكثر وبالأخص للمسيحيين، وأخشي المزيد من الاحباطات، ولذلك كتبت هذا المقال الغريب العاجل – الذي قد يغضب البعض – ولكن الحق أنه يجب أن نستيقظ لأن هناك من هو أهم من مصر وأحوالها.

 منذ ثورة يناير تحولت الغالبية – إن لم يكن الكل – إلى خبراء في السياسة يقضون أوقاتهم في متابعة الأخبار على الفضائيات ومواقع الانترنت الاخبارية والمناقشات للأوضاع وتحليلها، وصارت برامج التوك شو السياسية أكثر شعبية وإقبالا من الاجتماعات الروحية ودرس الكتاب المقدس بالكنائس، وأهم من البرامج الروحية على القنوات الفضائية.

وفجأة تحول الكثيرون إلى وطنيين حتى صارت مصر ليست مجرد وطن يعيش فينا – أي نحب أهله ونخدمهم – بل وطن يستعبد كل كياننا، ولم يترك مكانا لأورشليم السمائية فينا. وبعد أن كنا نرنم لأورشليم السمائية – أو هكذا كان يجب – تحولت الترانيم من أجل مصر، وصارت الترانيم بحب مصر اكثر شيوعا من التسبيح لله واسمه القدوس.

وكثير من الفضائيات المسيحية – التي كنا نرجو أن تكون متفرغة للكرازة بكلمة الله والتسابيح – صارت مشغولة بأخبار مصر وحوارات الحقوقيين، ولا مانع أن تخصص ساعات طويلة لإعادة إذاعة برامج عمر أديب وابراهيم عيسى وغيرهم، لأن هذا مايطلبه المستمعون. وبالكاد يجد خدام البرامج الروحية وقتا متاحا لإذاعة برامجهم الكارزة بكلمة الله في مواعيد غير أساسية. وبرامج مثل برنامج “في النور” حولت اهتمامها لاستضافة الغرباء عن جسد المسيح، وكأنه لم يعد هناك في الكنيسة من له كلمة “في النور”، ولم يعد للفكر – الذي تروج له هذه البرامج – أي توجهات روحية.

وتحول كثير من الغيورين على حقوق الأقباط من دعاة للفكر المسيحي إلى أصحاب فكر سياسي وخطط وهمية لم تحقق شيئا، وداخ الأقباط في الخارج إما في المظاهرات أو المسيرات في الشوارع أو وراء القنصليات المصرية للتسجيل والانتخابات الديموقراطية المزعومة، وقادة المظاهرات صاروا أبطالا في أعين الكثيرين في حين توارى الكهنة خدام مذبح الله لأنهم ليسوا ثوريين، وعوضا عن الصراخ لله المخلص صرنا نصرخ أمام ماسبيرو والبيت الأبيض والأسود وكل الألوان وخلافه، “فَلَمْ يَكُنْ صَوْتٌ وَلاَ مُجِيبٌ” (1 ملوك 18 : 26).

وماذا جنينا بعد هذا كله، بل وأكثر من هذا؟… يحق لنا أن نبكي بسبب الجروح والاحباطات التي صارت بلا دواء: “كُلُّ الرَّأْسِ مَرِيضٌ وَكُلُّ الْقَلْبِ سَقِيمٌ. مِنْ أَسْفَلِ الْقَدَمِ إِلَى الرَّأْسِ لَيْسَ فِيهِ صِحَّةٌ بَلْ جُرْحٌ وَأَحْبَاطٌ وَضَرْبَةٌ طَرِيَّةٌ لَمْ تُعْصَرْ وَلَمْ تُعْصَبْ وَلَمْ تُلَيَّنْ بِالزَّيْتِ” (اشعياء 1 : 5-6)… ومع أرميا النبي أقول: “يَا لَيْتَ رَأْسِي مَاءٌ وَعَيْنَيَّ يَنْبُوعُ دُمُوعٍ فَأَبْكِيَ نَهَاراً وَلَيْلاً قَتْلَى بِنْتِ شَعْبِي” (ارميا 9 : 1).

يجب أن نبكي بالأكثر إن كنا قد نسينا من هو أهم من مصر وأحوالها.. نبكي إن كنا قد نسينا السيد الرب ولم نصدق قوله: “أَنَا أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ” (اشعياء 43 : 11)، وصرنا نجري يمينا ويسارا وكأنه ليس لنا مخلص… ونسينا مواعيد الرب الصادقة: “أَلَيْسَتْ خَمْسَةُ عَصَافِيرَ تُبَاعُ بِفَلْسَيْنِ وَوَاحِدٌ مِنْهَا لَيْسَ مَنْسِيّاً أَمَامَ اللهِ؟ بَلْ شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ أَيْضاً جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ! فَلاَ تَخَافُوا. أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ!” (لوقا 12 : 6-7).

يجب أن نبكي بالأكثر إن كانت هموم مصر وأحوالها قد صارت ترعى فينا كالشوك الذي يخنق الكلمة في حياتنا، ونسينا تحذير السيد المسيح: “الْمَزْرُوعُ بَيْنَ الشَّوْكِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ وَهَمُّ [اهتمامات] هَذَا الْعَالَمِ… يَخنُقَانِ الْكَلِمَةَ فَيَصِيرُ بِلاَ ثَمَرٍ” (متى 13 : 22).

يجب أن نبكي بالحري إن كان شعب الله قد صار مسبيا عن الانشغال بملكوت الله، وهموم مصر وأحوالها سرقت منه الاهتمامات الروحية، ونسي شعب الله وصية الرب: “اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللَّهِ وَبِرَّهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ” (متى 6 : 33)…

أحبائي.. يا شعب الله في كل مكان: ألعلنا نستيقظ ونعي الدرس؟ “لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ” (فيلبي 4 : 6)… ” [هيا] إِلَى الشَّرِيعَةِ [كلمة الرب] وَإِلَى الشَّهَادَةِ [الكرازة بكلمة الرب]. إِنْ لَمْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ فَلَيْسَ لَهُمْ فَجْرٌ!” (اشعياء 8 : 20)…

“اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ” (افسس 5 : 14)… السيد الرب الإله هو الأهم من مصر وأحوالها، فهو ضابط الكل الذي في يده مصر وأحوالها ورئيسها، وهو المخرج الوحيد من المأزق المعاصر، “لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ” (رومية 11 : 36).

القمص أبرام سليمان – كنيسة مارمرقس جرسي سيتي – نيوجرسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>