الست أم جرجس في بلاد المهجر

أسرتني الدموع الغزيرة التي ذرفتها “الست أم جرجس” في مكتبي اليوم… وأسم “الست أم جرجس” هو أسم مستعار، ولكن قصتها  ليست مجازية بل هي أحدث قصة حقيقية – ولا أقول آخر قصة – لأحد هؤلاء النازحين من مصر، وقد صارت قصتها معلومة لكثيرين، قبل أن تشاء النعمة الإلهية أن أعرف قصتها…

دموع “الست أم جرجس”  تعبر عن دموع الآلاف مثلها، الذين نزحوا للمهجر بسبب سوء الأحوال في بلدها، كما في مصر والعراق وسوريا وغيرهم. هنا في الولايات المتحدة الأمريكية – وبالتحديد أكثر في “خدمة الأنبا أبرام” في كنيستنا – وربما في كنائس أخرى أيضا – نواجه الوجه الآخر للمأساة في مصر وبلاد الشرق الأوسط، وهي مأساة أخري لهؤلاء النازحين، ولكن في بلاد المهجر..

ولكي تلمس جانبا من المأساة، أحكي لك بعض الأمور عن “الست أم جرجس” كمثال لهؤلاء النازحين، فهي إمراة متزوجة مسنة عمرها أكثر من 60 سنة، لها زوج وأربعة أولاد في مصر، ولكنها الوحيدة التي حصلت على تأشيرة السفر للولايات المتحدة، على أمل السفر والعمل ومساعدة أسرتها في مصر.

ما لم تكن تعلمه “الست أم جرجس” أنه غير مسموح لها بالعمل في الولايات المتحدة، إلا بعد السماح لها باللجوء الديني إذا قبلت إدارة الهجرة، أي بعد ما يقرب من ستة أشهر على أحسن تقدير، ولم تكن تعلم كم سيكلفها هذا مع التكاليف الشهرية الباهظة للسكن، وبعد ذلك كله تكون المفاجأة غير السارة أن سنها لا يؤهلها لأي عمل، حتى لو حصلت على موافقة إدارة الهجرة …

وصلت “الست أم جرجس” إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها توصية من كاهنها إلى كاهن ما بأرض الموعد، ولكنه لم يستقبلها بل أرسلها مباشرة من المطار لمنزل إحدى العائلات، وبعد شهر تقريبا كانت “الست أم جرجس” مطرودة تائهة في أحد الشوارع، وهي في حالة إنهيار تام ومعها حقائبها، وليس معها دولارا واحدا، وهي لاتعرف أبسط الكلمات باللغة الانجليزية لتعبر بها عن نفسها، وكانت الدموع هي كل ما تملكه في أرض الأحلام الواسعة..

رأتها إمرأة أمريكية تقية وتعاطفت معها، وأشكر الله أنها أستطاعت أن تحصل على رقم كنيستنا من دليل التليفون، واتصلت لتحضر لنا “الست أم جرجس” بحقائبها، ومشاكلها الأثقل بكثير من حقائبها.. ولكن على كل حال، فقد كانت هذه المبادرة – من غريبة الجنس – هي من عمل النعمة مع “الست أم جرجس” و”خدمة الأنبا أبرام” في بلاد المهجر..

ليس المجال الآن أن احكي الكثير من القصص المأساوية لعائلات كثيرة تأتي بهم النعمة لخدمة الأنبا ابرام، ولكنني أذكر فقط أن الليلة السابقة – مثلا – كانت دموع الأم  المريضة التي معها أولادها الثلاثة، وليس معها قيمة الإيجار. وفي نفس اليوم كانت قصة العروسين النازحين من مصر، وقد ضاق بهما الأمر ليقوما بضرب بعضهما البعض، في أرض الأحلام.. وغير ذلك كثير جدا.

ومع أرميا النبي أقول: “مِنْ أَجْلِ سَحْقِ بِنْتِ شَعْبِي انْسَحَقْتُ. حَزِنْتُ. أَخَذَتْنِي دَهْشَةٌ. أَلَيْسَ بَلَسَانٌ فِي جِلْعَادَ أَمْ لَيْسَ هُنَاكَ طَبِيبٌ ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تُعْصَبْ بِنْتُ شَعْبِي؟” (ارميا 8 : 21-22)، و”البلسان” نوع من الدهن الشافي، و”جلعاد” هي رمز لكنيسة الله، و”الطبيب” هو الشخص الذي يمد يده لتضميد جراحات هؤلاء النازحين، مثل السامري الصالح… إنه وقت للقيام بعمل جماعي وفردي، لخدمة النازحين إلي بلاد المهجر، وذلك من أجل دموع “الست أم جرجس” ومن شابهها.

أبونا أبرام سليمان – خدمة الأنبا أبرام

frsleman@CopticChurch.net

(732) 718-4129

PO Box 6909 East Brunswick, NJ 08816

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>