الرئيس والشريعة والدستور

ليقل لنا – الذين ينادون ببند الشريعة في الدستور وتطبيقها – ماذا سيفعل هذا في شأن تغيير قلب الانسان واصلاح فساده؟.. لقد كانت المادة الثانية – الخاصة بالشريعة – أحد البنود في الدستور المصري منذ سنوات طويلة، فماذا فعلت؟… القراءة السريعة لأحوال مصر تثبت فشل الدستور المصري – بكل مواده – في إصلاح أحوالها. ألعله قد آن الأوان لتعرف مصر ما هو لسلامها؟… بصراحة شديدة، أخشي أن تضل مصر الطريق، فلا تكون الأيام القادمة لحياة أفضل…!!! ولذلك كتبت هذه الكلمات، ولعلها تجد صداها في كل قلب متسع وعقلية مستنيرة، ليقبل الحقيقة بلا تعصب.

لقد دخلت مصر في مرحلة جديدة باختيار رئيس جديد وتغيير الدستور والحكومة، ولكن هل تغيير الرئيس والدستور والحكومة سيحقق الاصلاح الذي ننشده في مصر، أم سيحدر مصر إلى الهاوية؟.. ماذا سيكون الوضع حينما تكون الحكومة الجديدة من نفس العينات التي لا تقر أبسط حقوق الانسان، وقد روجت للفساد وسفك الدماء والتمييز العنصري والاضطهاد؟… ماذا سيكون الوضع مع الكثير من أفراد الشعب غير المتحضر الذي يعيش بالكراهية والتمميز العنصري والسرقة والجهل؟ كيف سيكون الوضع في حالة إستبدال أشحاص باشخاص لهم نفس الطبيعة العتيقة دون تغيير؟

ليتنا نفهم أن طبيعة الانسان – كل إنسان – قد فسدت بسبب السقوط في الخطية، وصار الشر ينبع من قلب الانسان : “لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ. جَمِيعُ هَذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإِنْسَانَ». (مرقس 7 : 20-23)…

وبسبب فساد الطبيعة البشرية صار الانسان تحت سلطان الخطية [الشر]، ولا يقدر أن يفعل الصلاح من نفسه، على حد قول القديس بولس الرسول : “فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ أَيْ فِي جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. (رومية 7 : 18-19). ولم يعد هناك الانسان الحر من عبودية الفساد [الشر أو الخطية]، إذ “الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (رومية 3 : 12).

ياسيادة الرئيس وشعب مصر الكريم، أراكم متدينون جدا، لذلك أنادي إليكم بخبر سار لحل مشكلة الانسان – كل إنسان في مصر وغيرها – وهو أن الله قدم الحل لمشكلة فساد الإنسان، وذلك في شخص السيد المسيح…

لقد جاء السيد المسيح وقدم لنا نموذجا فريدا للإنسان الكامل الذي لم يفعل الشر، ووقف متحديا أجيال التاريخ كله: “مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟ )يوحنا 8 : 46(. وهو الذي “لَمْ يَعْمَلْ ظُلْماً [violence] وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ” (اشعياء 53 : 9)، كما أنه”الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ” (1بطرس 2 : 22).

 ولم يكن مجيء السيد المسيح ليقدم فقط النموذج للأنسان الكامل، بل ليرفع بموته شر الانسان من قلبه: “وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ[السيد المسيح]  أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ [take away] خَطَايَانَا” (1 يوحنا 3 : 5 ). “الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا [شرورنا] فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ [على الصليب]، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا [لا يكون للشر موضعا فينا] فَنَحْيَا لِلْبِرِّ [للصلاح الذي يطلبه الله]” (1بطرس 2 : 22-24).

 الله أعطي للبشر إمكانية أن يعيشوا أبرار صالحين – من أجل طاعة السيد المسيح لله حتي الموت، وهذا ما نسميه الفداء من سلطان الخطية [الشر]، “لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ  [معصية آدم] جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً [اشرار وفيهم الطبيعة الفاسدة] هَكَذَا أَيْضاً بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ [طاعة السيد المسيح لله الآب] سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَاراً” (روميه 19:5)، لأن السيد المسيح “إِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ” (فيلبي 2 : 8).

يحتاج المصريون – كل المصريين – مراجعة أنفسهم من جهة الإيمان بالسيد المسيح، والايمان بموته وقيامته فداء عنهم، فالمسيح مات عنهم ليفتديهم من الشر والفساد والجهل والغضب الألهي: “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضاً لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ». (مرقس 10 : 45)، “الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (افسس 1 : 7).

ولكن ماذا عن الشريعة؟ الشريعة التي يطلبها الله بعد تغيير القلب هي شريعة العهد الجديد… والإيمان بالسيد المسيح يؤدي إلي كتابة هذه الشريعة الإلهية علي القلب، يقول السيد الرب: “أجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً” (ارميا 31 : 33)، ”وَأُعْطِيهِمْ قَلْباً وَاحِداً، وَأَجْعَلُ فِي دَاخِلِكُمْ رُوحاً جَدِيداً، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِهِمْ وَأُعْطِيهِمْ قَلْبَ لَحْمٍ لِيَسْلُكُوا فِي فَرَائِضِي وَيَحْفَظُوا أَحْكَامِي وَيَعْمَلُوا بِهَا، وَيَكُونُوا لِي شَعْباً فَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً” (حزقيال 11 : 19-20)… “وَأُعْطِيكُمْ قَلْباً جَدِيداً، وَأَجْعَلُ رُوحاً جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ. وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَ بِهَا. ” (حزقيال 36 : 26-27)…

هذه الشريعة الإلهية تؤدي إلى التغيير في طبيعة الناس، من خلال – ما نسميه – الولادة الجديدة للناس وتغييرهم إلي خليقة جديدة، أي أناس لهم سلوكيات صالحة تجعل المجتمع فاضلا: “إِذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً” (2 كورنثوس 5 : 17).

الإيمان بالسيد المسيح يؤدي إلي تغيير طبيعة الناس – حكومة وشعبا – لكي يعملوا الصلاح ويكفوا عن الشر: “اِجْعَلُوا الشَّجَرَةَ جَيِّدَةً وَثَمَرَهَا جَيِّداً أَوِ اجْعَلُوا الشَّجَرَةَ رَدِيَّةً وَثَمَرَهَا رَدِيّاً لأَنْ مِنَ الثَّمَرِ تُعْرَفُ الشَّجَرَةُ… اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْبِ يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ” (متى 12 : 33-35).

من ثمار الايمان بالمسيح أن يعمل الناس الأعمال الصالحة – ليس خوفا من قانون – ولكن لأجل الطبيعة الجديدة للقلب المطبوع عليه وصايا الله: “لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُور. لأَنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرٍّ وَحَقٍّ . مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبّ، وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا” (افسس 5 : 8-11)، “لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا” (افسس 2 : 10).

 يامن ينشدون الاصلاح  في مصر، هذا هو طريقه الوحيد، الذي يجعل لدستور الدولة معنى وقوة.. بدلا من مجرد المجاملة لأخوتنا المسلمين، أردت أن أقدم دعوة لهم مخلصة لقبول شريعة المسيح في القلب..

القمص أبرام سليمان – كنيسة مارمرقس جرسي سيتي – نيو جرسي

frsleman@copticchurch.net

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>