قصتي مع أبونا أغاثون

بغض النظر عن تفاصيل ما حدث في قصة “الست أم جرجس”وفي قصص كثيرة مشابهة، كنت أتساءل: هل هي قصتي مع أم جرجس، أم قصة المسيح معي؟ ولعلك تتساءل ما دخل أبونا أغاثون في ذلك؟ وماذا فعل؟

في ليلة من الليالي الصعبة، كان من أحلى الأوقات حينما ذهبنا معا، حاملين حقائب السفر الثقيلة، والهموم الأثقل منها، وذلك من منزل أحد الأحباء في مدينة “بايون Bayonne ” بولاية “نيوجرسي New Jersey “، إلى أسرة محبوبة في مدينة “أولد بردج Old Bridge “، وذلك سعيا عن مكان لتسند فيه الست أم جرجس رأسها المتعبة، وتحصل منه علي بركة لسد إحتياجات أسرتها التي تركتها في مصر.

ونحن على الطريق السريع بين المدينتين، تذكرت قصة كنت قد تعلمتها في مدارس الأحد – حينما كنت طفلا – عن الرجل المقعد الثقيل الذي وجده الأباء الرهبان في طريقهم للكنيسة، ورفض الكل أن يحمله للقداس حتى لا يعوق حركته، حتي مر به أبونا أغاثون وحمله، وقبل وصوله للكنيسة اختفي الرجل من على كتفيه، واكتشف أبونا أغاثون أن المقعد الثقيل الذي حمله كان هو “الرب يسوع”، وندم الرهبان على ضياع الفرصة منهم لرؤية “الرب يسوع” وحمله على أكتافهم. ونفس هذه القصة قيلت عن قديسين آخرين مثل الأنبا بيشوي، والقديس خريستوفورس.

وفي تواصل مع فكر الطفولة قلت لنفسي: ماذا لو اختفت “الست أم جرجس” وحقائبها وهمومها الثقيلة من السيارة فجأة الآن، مثلما حدث مع أبونا أغاثون؟… كنت كطفل سأجري لأب اعترافي، ولخادم مدارس الأحد، وأصحابي الأطفال وأخبرهم أنني رأيت “الرب يسوع” مثل “أبونا أغاثون”. ولم أكن أتوقع مطلقا أن القصة – التي عشقتها في طفولتي – ستتكرر معي في حياتي، ولكن بصور كثيرة أخرى.

كانت بداية التعارف مع الست أم جرجس – كما ذكرت في المقال السابق – حينما وجدتها إمراة أمريكية تائهة في الشارع في مدينة “مونرو Monroe”، وأحضرتها إلى الكنيسة بمدينة “جرسي سيتى Jersey City ” البعيدة عن “مونرو Monroe” بأميال كثيرة، وقد علمت فيما بعد أن هذه السيدة – التي قامت بدور السامري الصالح – يهودية. ومنذ ذلك الحين، وخلال أربعة أيام مكثفة، كانت “خدمة الأنبا أبرام” مع السيدة أم جرجس بحقائبها في أربعة منازل في أربعة مدن مختلفة.

 وربما تتعجب معي إذا قلت لك أن كل الذين استضافوا الست أم جرجس – في هذه الأيام المعدودة – أتقياء وقدموا لها الكثير من المحبة، وحتي الشباب الناطق بالانجليزية بالكنيسة قدموا لها حبا وحنانا واهتماما كبيرا مذهلا، وعلاوة على هذا كله أهتمام ومحبة أبائي الكهنة الذين أخدم معهم، ومع ذلك كله لم تقدر الست أم جرجس ان تستقر في أي من الأماكن، أو تعطي لنفسها فرصة لتعيش في عالمنا الغريب، الذي يتكلم بلغة مختلفة وبعيدا عن أسرتها وأولادها.

في كل مكان حلت فيه الست أم جرجس وفي شوارع نيوجرسي، لم تكن هي مجرد نهر للدموع فقط، بل كانت أيضا خورسا متكاملا للصراخ والعويل والندب علي حال أسرتها المحتاجة في مصر، وعلى حالها الذي كان صدمة لها في أمريكا، وذلك بالرغم من كل المحاولات للتخفيف عنها. ولم تكن تدري أنها جاءت لأمريكا في بعثة إلهية لتصرخ هنا نيابة عن المساكين الذين يتضورون جوعا وبؤسا في مصر، ونيابة أيضا عن الآلاف الذين جاؤا إلى بلاد المهجر بلا مؤهلات ولا قدرات ولا إمكانيات تخفف عليهم صدمة والتزامات بداية الحياة في عالم غريب.

في الليلة الأخيرة لبعثة “الست أم جرجس” إلى أمريكا، فوجئت – مرة أخرى – أن السامري الصالح هذه الليلة هو بوليس مدينة “مونرو Monroe “، فقد اتصل بوليس مدينة “مونرو Monroe” بالكنيسة في “جرسي سيتي Jersey City “، بعد أن وجدها هائمة بحقائبها في شوارع مدينة “مونرو Monroe” .. ولم نجد أمامنا سوي أن نرتب لرحلة العودة لمصر في اليوم التالي، لتكون مع أسرتها وأولادها، وتكون خدمة الأنبا أبرام معها هناك.

في طفولتي كنت أحلم بلقاء الرب يسوع بصورة معجزية مثل “أبونا أغاثون”، ولم أكن أعلم أنني سألتقي بالرب يسوع في أتعاب الكثيرين الثقيلة مثل حقائب “الست أم جرجس” ، بل وصار من واجبي أن أخبر الكثيرين أن كل فرصة لخدمة هؤلاء هي فرصة لخدمة المسيح نفسه، كما قال: “يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ” (متى 25 : 34-36).

في كل موقف من المواقف – مع الست أم جرجس وغيرها – كان روح الرب يهمس بصوت رقيق داخلي، ويخبرني بما قاله الرب يسوع: “بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ” (متى 25 : 40). وفي هذه القصة رأيت المسيح غريبا، وتائها، وحزينا، ومحتاجا وغير ذلك كثير، فماذا تظنون كنت سأفعل معه؟

إنها ليست قصتي فقط مع الست أم جرجس وغيرها، بل هي قصة المسيح معي، ومع كل انسان محب لأخوته الأصاغر. القصة في التاريخ والزمن هي قصة “خدمة الأنبا أبرام” مع السيدة أم جرجس وغيرها، أما في الروح فقد اختفت أم جرجس وحقائبها وهمومها الثقيلة وراء مجد إعلان يسوع المسيح، الذي أراد أن يعطينا بركة الخدمة لأعضائه المتألمة.. ومازلت أعشق قصة ابونا أغاثون، ألعلك تعشقها معي؟

أبونا أبرام سليمان – خدمة الأنبا أبرام

frsleman@CopticChurch.net

(732) 718-4129

PO Box 6909 East Brunswick, NJ 08816

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>