هجرة أولاد الله – القمص أبرام سليمان

أعلم أن كثير من الآباء الكهنة والمعلمين لهم أراء متباينة بشأن موضوع هجرة أولاد الله من مصر وسوريا والعراق وغيرها وخاصة في هذه الأيام. ولا أقدم هنا رأيا رسميا يحسب للكنيسة القبطية أو ضدها، ولكنني فقط أريد أن أقدم رؤية لهذا الأمر من منظور أبوة الله لنا، وماذا يريده الله لأولاده الذين يحيون في “حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ” (رومية 8 : 21)، والذين ” يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ” (رومية 8 : 14). ولعلي على الأقل أستطيع أن أنقل لأولاد الله المتألمين – في مثل هذه البلاد – مشاعر الآب السماوي تجاه ما يحدث لهم، وما هي مشيئته نحوهم للخروج من هذا الوضع المؤلم؟  وأجيب أيضا على تساؤل الكثيرين: هل الهجرة في مثل هذه الأحوال الصعبة أمر يوافق مشيئة الله؟

أرجو أن تصل هذه الرسالة لكل أولاد الله المتضايقين، لكي يطمئنوا أن الله يعرف تماما كل أوجاعهم ويشعر بها ويتألم معهم. من يشعر بقلب الآب السماوي يستطيع أن يسمع أناته تجاه شعبه المتألم عبر الدهور، بما في ذلك ضيقات هذه الأيام، وهو يعمل بنفسه ليخرج شعبه من ضيق العبودية.

في كثير من المواضع بالكتاب المقدس ظهر قلب الآب السماوي ينفطر من أجل ضيقات أولاده. ففي سفر الخروج، حينما تنهد شعب الله من العبودية في مصر وصرخوا لله، “صَعِدَ صُرَاخُهُمْ الَى اللهِ مِنْ اجْلِ الْعُبُودِيَّةِ”، و”سَمِعَ اللهُ انِينَهُمْ [استجاب الله لأنينهم]“، و”نَظَرَ اللهُ [رق لحالهم]” و”عَلِمَ اللهُ [وضع أمامه سفر تذكرة لتدبيره الخلاصي]” (خروج 2 : 23-25). وعبر الله بنفسه عن مشاعره لموسي النبي بقوله: “انِّي قَدْ رَايْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ اجْلِ مُسَخِّرِيهِمْ. انِّي عَلِمْتُ اوْجَاعَهُمْ” (خروج 3 : 7)، وأشعياء النبي ينقل لنا هذا الخبر عن الله أنه “فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ” (اشعياء 63 : 9).

وفي سفر القضاة صرخ شعب الله للرب: “أَخْطَأْنَا فَافْعَلْ بِنَا كُلَّ مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكَ. إِنَّمَا أَنْقِذْنَا هَذَا الْيَوْمَ”، ومن جانبهم “أَزَالُوا الآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ مِنْ وَسَطِهِمْ وَعَبَدُوا الرَّبَّ”، أما عن الرب فقد قيل عنه أنه “ضَاقَتْ نَفْسُهُ بِسَبَبِ مَشَقَّةِ إِسْرَائِيلَ”، أي “رَقَّ قَلْبُهُ لِمَشَقَّةِ إِسْرَائِيلَ” (قضاة 10 : 15-16).

وفي العهد الجديد، اعتبر الرب يسوع أن اضطهاد شاول للكنيسة هو أمر موجه له شخصيا، فقال له: “شَاوُلُ شَاوُلُ لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي [أنا يسوع]؟” (اعمال 9 : 4)، وعلى هذا المثال يعتبر أيضا أن آلام وأوجاع – من دعاهم “إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ” – هي آلامه وأوجاعه الشخصية (متى 25 : 40، 45). وقد صار لنا الرب يسوع رئيس كهنة “قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ” (عبرانيين 4 : 15)، وهو “يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضاً إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ [الآب السماوي]، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ [أمام الآب السماوي]” (عبرانيين 7 : 25).

والأكثر من ذلك، أنه في كثير من المواضع بالكتاب المقدس، رأينا الآب السماوي يقود أولاده بروحه القدوس للخروج والهجرة إلى أرض بعيدة. وتعتبر قصة هجرة ابراهيم من حاران إلى أرض كنعان واحدة من أعظم قصص الهجرة في العهد القديم، وهذه القصة بدأت بمبادرة الله نفسه، فقد بدأت القصة في سفر التكوين بدعوة الله لابرام، الذي دعي فيما بعد أبراهيم: “اذْهَبْ مِنْ ارْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ ابِيكَ الَى الارْضِ الَّتِي ارِيكَ. فَاجْعَلَكَ امَّةً عَظِيمَةً وَابَارِكَكَ وَاعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَابَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَلاعِنَكَ الْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الارْضِ”، وأطاع أبرام وذهبوا إلي كنعان ومعه ساراي أمرأته ولوط ابن أخيه، وأخذا كل مقتنياتهم والنفوس التي لهم، ، بينما كان عمره 75 سنة (تكوين 12 : 1-5).

وصارت قصة هجرة ابراهيم واحدة من قصص أبطال الايمان العظيمة التي ذكرها بولس الرسول في سفر العبرانيين بقوله: “بِالإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيداً أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثاً، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي” (عبرانيين 11 : 8)، وصارت الهجرة بالنسبة لابراهيم هي قبول لمغامرة إيمان رائعة محسوبة له.

 وفي أيام موسى، اختار الله الهجرة إلى أرض بعيدة لتكون حلا لخلاص أولاده من الضطهاد والأوجاع، مع أنه كان قادرا على خلاصهم بطرق أخرى. ففي سفر الخروج، وبعد أن عبر الله عن مشاعره تجاه أوجاع شعبه في مصر بقوله: “انِّي قَدْ رَايْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ اجْلِ مُسَخِّرِيهِمْ. انِّي عَلِمْتُ اوْجَاعَهُمْ”، بادر الله وقال”نَزَلْتُ لِانْقِذَهُمْ مِنْ ايْدِي الْمِصْرِيِّينَ”، وكانت طريقة إنقاذهم هو خروجهم من مصر، فقال “أصْعِدَهُمْ مِنْ تِلْكَ الارْضِ الَى أرْضٍ جَيِّدَةٍ وَوَاسِعَةٍ الَى أرْضٍ تَفِيضُ لَبَنا وَعَسَلا” (خروج 3 : 7-8).

وأرسل الرب موسي لفرعون قائلا: “الرَّبُّ الَهُ الْعِبْرَانِيِّينَ ارْسَلَنِي الَيْكَ قَائِلا: اطْلِقْ شَعْبِي لِيَعْبُدُونِي فِي الْبَرِّيَّةِ” (خروج 7 : 16)، وبعد المعجزات الهائلة التي صنعها الرب في مصر قادهم الرب بنفسه، من خلال عمودي السحاب والنار، و”لَمْ يَبْرَحْ عَمُودُ السَّحَابِ نَهَارا وَعَمُودُ النَّارِ لَيْلا مِنْ امَامِ الشَّعْبِ [في ترحالهم]” (خروج 13 : 22). وقد تذكر نحميا ذلك وقال للرب في صلاته: “أَنْتَ بِرَحْمَتِكَ الْكَثِيرَةِ لَمْ تَتْرُكْهُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُمْ عَمُودُ السَّحَابِ نَهَاراً لِهِدَايَتِهِمْ فِي الطَّرِيقِ، وَلاَ عَمُودُ النَّارِ لَيْلاً، لِيُضِيءَ لَهُمْ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي يَسِيرُونَ فِيهَا” (نحميا 9 : 19).

وفي البرية، حملهم الله “كَمَا يَحْمِلُ الإِنْسَانُ ابْنَهُ” في كل الطريق التي سلكوها (تثنية 1 : 30-31)، وأطعمهم الرب المن الذي لم يعرفه أباءهم (تثنية 8 : 16)، “وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَاباً وَاحِداً رُوحِيّاً – لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ” (1 كورنثوس 10 : 4)، وسار معهم أربعين سنة، لم تبلى فيها ثيابهم أو نعالهم (تثنية 29 : 5).

وفي قصة هذا الخروج العظيم، لم تكن علاقة الرب مع شعبه هي علاقة السيد مع عبيده، بل علاقة الأب مع “ابنه البكر”، ولذلك عمل الرب لأجل حرية شعبه وإعالتهم. وهذا ما كشف عنه السيد الرب حينما  أرسل موسى لفرعون يقول له: “هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: اسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ. فَقُلْتُ لَكَ: اطْلِقِ ابْنِي لِيَعْبُدَنِي فَابَيْتَ انْ تُطْلِقَهُ. هَا انَا اقْتُلُ ابْنَكَ الْبِكْرَ” (خروج 4 : 22-23).

وارتبطت قصة هذا الخروج العظيم بقصة الخروج الأعظم، وهو هروب العائلة المقدسة إلي مصر، وبادر الله بطلب الهجرة  إلي مصر هروبا من الشر، ولاستكمال التدبير الإلهي حسب النبوات. فبعد انصراف المجوس وعزم هيرودس على قتل أطفال بيت لحم، ظهر ملاك الرب ليوسف في حلم قائلا له: “قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ”، وظل هناك حتى موت هيرودس (متى 2 : 13-15)، وبعد موت هيرودس رجع يوسف والصيى وأمه وسكنوا في ناصرة الجليل (متى 2 : 19-23).

لأجل محبة الله ورحمته لأولاده لا يتركهم في هجرتهم، حتى ولو لم يكن السفر بأمر مباشر منه، إذا اضطروا لذلك سواء هروبا من مجاعة أو من اضطهاد أو شر. ونذكر في هذا الصدد، أنه لما حدث جوع شديد في الأرض التي فيها أبرام، ذهب إلى مصر، ولم يكن واضحا أن هناك أمر مباشر من الرب أن يذهب إلى مصر، ومع كل ضعفات ابرام لم يتركه الرب، بل حفظ الرب زوجته سارة حتى لا يمسها فرعون، وصنع له فرعون خيرا بسببها، و”َصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَامَاءٌ وَاتُنٌ وَجِمَالٌ”، و”اوْصَى عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ رِجَالا فَشَيَّعُوهُ وَامْرَاتَهُ وَكُلَّ مَا كَانَ لَهُ” (تكوين 10:12-20). كانت محبة الله تحتوي ابرام بكل ضعفاته، وظل الله معه في كل سفره، يحفظه ويحفظ اسرته، ويحول لهم الشر إلى خير.

وحينما اضطر يعقوب للهروب من وجه عيسو أخيه، بحسب وصية أمه وأبيه، ظهر له الرب في الطريق في حلم على رأس السلم منصوبة من الأرض للسماء، وسمع صوت الرب: “انَا الرَّبُّ الَهُ ابْرَاهِيمَ ابِيكَ وَالَهُ اسْحَاقَ… وَهَا انَا مَعَكَ وَاحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَارُدُّكَ الَى هَذِهِ الارْضِ لانِّي لا اتْرُكُكَ حَتَّى افْعَلَ مَا كَلَّمْتُكَ بِهِ”. ولما استيقظ يعقوب من نومه قال: “حَقّا انَّ الرَّبَّ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَانَا لَمْ اعْلَمْ!”، وخاف وقال: “مَا ارْهَبَ هَذَا الْمَكَانَ! مَا هَذَا الَّا بَيْتُ اللهِ وَهَذَا بَابُ السَّمَاءِ!” (تكوين 28 : 12-18). سمعت من الكثيرين المهاجرين أنهم تعرفوا على الله في أرض غربتهم، وشعروا بحضوره بصورة أقوى في حياتهم.

في هذه القصص الكتابية وغيرها، لم يكن ما يهم الله المكان الذي يذهب له أولاده، لأنه “لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا” (مزامير 24 : 1)، ولكن ما يشغله أن يكون مع أولاده ليهدي خطواتهم، ويبارك سعيهم، ويحفظهم من الشر، كما يقول داود النبي:  “أَرْفَعُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي. مَعُونَتِي مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ صَانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. لاَ يَدَعُ رِجْلَكَ تَزِلُّ. لاَ يَنْعَسُ حَافِظُكَ. إِنَّهُ لاَ يَنْعَسُ وَلاَ يَنَامُ حَافِظُ إِسْرَائِيلَ. الرَّبُّ حَافِظُكَ. الرَّبُّ ظِلٌّ لَكَ عَنْ يَدِكَ الْيُمْنَى. لاَ تَضْرِبُكَ الشَّمْسُ فِي النَّهَارِ وَلاَ الْقَمَرُ فِي اللَّيْلِ. الرَّبُّ يَحْفَظُكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ. يَحْفَظُ نَفْسَكَ. الرَّبُّ يَحْفَظُ خُرُوجَكَ وَدُخُولَكَ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ” (مزامير 121). علاقة الله بأولاده هي علاقة أبوة ومحبة ونعمة، وليست علاقة ناموس وفرائض.

وليس حقا ما يقال ان هناك أماكن ليس فيها رائحة الله، فأولاد الله يرنمون بترنيمة داود: “إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ. إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ فَهُنَاكَ أَيْضاً تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ” (مزامير 139 : 8-10).

نعم انه من الضروري أن يلتصق المهاجرون بالكنيسة، ولكن من الضروري أن نعرف أيضا أن أولاد المهاجرين هم الذين بنوا الكنائس في المهجر، وقبل أن يبنوا الكنائس بالمهجر هم هياكل مقدسة لله، وروح الله يسكن فيهم، كما يقول بولس الرسول: “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ (1 كورنثوس 3 : 16).

وهل حقا قد أخطأ “أليمالك” – الذي تفسير اسمه “إلهي ملك” – حينما أخذ أمرأته نعمي وابنيه محلون وكليون، وهاجر من بيت لحم إلى موآب، بسبب الجوع العظيم الذي حدث في بيت لحم؟هل  سفر أليمالك مع عائلته دون أمر مباشر من الرب كان خطأ، بدليل موت “أليمالك” وابنيه، ورجوع نعمى وحدها مع راعوث (راعوث 1)؟ لقد سمت مثل هذا القول وأزعجني إذ شعرت أنه نوع من الإرهاب الفكري لأولاد الله – ولو عن حسن نية – حتى لا يفكر أحدهم في الهجرة حتى لو كانوا في مثل ظروف الجوع العظيم الذي حدث في بيت لحم.

وهل لو ظل “أليمالك” مع عائلته في بيت لحم أثناء المجاعة، أما كانوا قد ماتوا؟ بل أهم من ذلك، هل كان الأب السماوي سيفرح بحياة أليمالك وعائلته في الجوع، لو لم يغادروا بيت لحم إلى مؤاب؟

الجوع – مثل بقية الأوجاع التي يجوزها الانسان على الأرض – ليس أمرا حسب إرادة الله لأولاده، ولكنه جزء من منظومة الفساد الذي أصاب الخليقة بسبب السقوط، ولكن الله قد يستخدمه للتأديب أو لامتحان الإيمان والمحبة للجياع أو يكون بمثابة دعوة للصلاة والطلبة بدون قلق في ثقة باهتمام الآب السماوي، ولكن الآب السماوي لا يريد أبدا لأولاده أن يجوعوا، ويخاطبه داود النبي بقوله: “تَفْتَحُ يَدَكَ فَتُشْبِعُ كُلَّ حَيٍّ رِضىً” (مزامير 145 : 16).

الآب السماوي “واهب الخيرات” وليس “واهب الجوع”، كما قال الرب يسوع: “أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ابْنُهُ خُبْزاً يُعْطِيهِ حَجَراً؟ وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً يُعْطِيهِ حَيَّةً؟ فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ” (متى 7 : 8-11). وإلا فلماذا أشبع السيد المسيح الجموع في أكثر من معجزة؟

لايخفى على العارفين أن قصة  أليمالك ونعمى وراعوث (راعوث 1)، كانت لأجل تدبير الله للخلاص، فقد رجعت “نعمى” مع “راعوث” الأممية، لتصير فيما بعد جدة للرب يسوع بالجسد، وتصير رمزا للسر الذي أعلنه الرب فيما بعد للقديس بولس الرسول “أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ” (افسس 3 : 6). أننا نشكر “أليمالك” الذي قبل الموت هو وأولاده في أرض غريبه، وصار ذلك ضمن خطة الله لخلاص البشرية.

لا أرى أن سعي أولاد الله نحو حياة أفضل عن طريق الهجرة هو خطأ في حد ذاته. فما يريده الأب السماوي لأولاده هو الحياة الأفضل، وهو “اللهِ الْحَيِّ الَّذِي يَمْنَحُنَا كُلَّ شَيْءٍ بِغِنًى لِلتَّمَتُّعِ” (1 تيموثاوس 6 : 17)، و”اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضاً مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟” (رومية 8 : 32). والسيد المسيح جاء من أجل أن يكون لنا حياة أفضل بكل ما يخص الحياة في الزمن وفي الأبدية: “اَلسَّارِقُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ” (يوحنا 10 : 10).

ولكن ما يحذر منه الكتاب المقدس هو أمر في مضمون آخر، وهو عن الذين يسعون للغني، في معزل عن شركة الحياة مع الله. ولهؤلاء يقول بولس الرسول: “وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ” (1 تيموثاوس 6 : 9). ولمثل هؤلاء يقول لهم يعقوب الرسول أيضا: “هَلُمَّ الآنَ أَيُّهَا الْقَائِلُونَ: نَذْهَبُ الْيَوْمَ أَوْ غَداً إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ أَوْ تِلْكَ، وَهُنَاكَ نَصْرِفُ سَنَةً وَاحِدَةً وَنَتَّجِرُ وَنَرْبَحُ. أَنْتُمُ الَّذِينَ لاَ تَعْرِفُونَ أَمْرَ الْغَدِ! لأَنَّهُ مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ” (يعقوب 4 : 13-14). لسنا عن مثل هؤلاء نتكلم، ولكن بصدد الحديث عن أولاد الله الواقعين تحت الاضطهاد والتمييز ونهب الممتلكات والباحثين عن حياة أفضل، فلماذا خلط الأمور؟

وإن كنا نوجه الكلام لأولاد الله، فلننتبه لنعرف من هم؟  هؤلاء هم الذين “ينقادون بروح الله”(رومية 8 : 14)، كما قلنا من البداية. وقيادة روح الله للانسان تتم بأشكال كثيرة، وليست قاصرة فقط على الرؤى والأحلام وظهورات الملائكة والعلامات كما يطلب البعض ليأخذوا قرارهم بالنسبة للهجرة. يجب أن يعي أولاد الله أن كل أعمالهم وتحركاتهم هي معمولة بالله الذي “لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ.. لأَنَّنَا أَيْضاً ذُرِّيَّتُهُ [أبنائه]” (اعمال 17 : 28). كما أن الله يعمل حتي في توجيه إرادتهم “لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا [أن يكون لكم الإرادة لعمل أي شيء] وَأَنْ تَعْمَلُوا [تعملوا ما تريدونه] مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ [من أجل فرح قلب الله وفرحكم]” (فيلبي 2 : 13).

ولكن هذا ليس معناه أن الله يطلب من كل أولاده المغامرة بالهجرة، فقد يمنع الله أي من أولاده عن السفر لأماكن معينة – بطريقة أو بأخرى – إن رأى ذلك، ويذكر سفر الأعمال عن بولس وسيلا وأخرين أنهم “وبَعْدَ مَا اجْتَازُوا فِي فِرِيجِيَّةَ وَكُورَةِ غَلاَطِيَّةَ مَنَعَهُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِالْكَلِمَةِ فِي أَسِيَّا. فَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مِيسِيَّا حَاوَلُوا أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى بِثِينِيَّةَ فَلَمْ يَدَعْهُمُ الرُّوحُ” (اعمال 16 : 6-7)، وهكذا بلغت قيادة الروح القدس إلى حد المنع من الكلام والمنع من السفر لأماكن معينة.

كل ما يحتاجه أولاد الله هو التسليم البسيط لله والصلاة لله أن يكون قائدا لمغامرة الايمان، كما قال موسى للرب: “انْ لَمْ يَسِرْ وَجْهُكَ فَلا تُصْعِدْنَا مِنْ هَهُنَا” (خروج 33 : 15)، وقد سبق أن وعده الرب: “وَجْهِي يَسِيرُ فَارِيحُكَ” (خروج 33 : 14).

واضطرار أي من أولاد الله للهجرة ليس عملا أنانيا من جهتهم، بل قد يريد الله أن يستخدمهم لخير بقية أفراد الأسرة الذين لم يتمكنوا من الهجرة. لقد دفع أولاد يعقوب أخوهم يوسف للهجرة إلى مصر، بل إلى الترحيل الأجباري، بعد أن باعوه بمذلة للإسماعيليين، ولكن يوسف رأى الوجه الآخر للقصة من منظور الآب السماوي، وقال لأخوته: “وَالْانَ لا تَتَاسَّفُوا وَلا تَغْتَاظُوا لانَّكُمْ بِعْتُمُونِي الَى هُنَا لانَّهُ لِاسْتِبْقَاءِ حَيَاةٍ ارْسَلَنِيَ اللهُ قُدَّامَكُمْ. لانَّ لِلْجُوعِ فِي الارْضِ الْانَ سَنَتَيْنِ. وَخَمْسُ سِنِينَ ايْضا لا تَكُونُ فِيهَا فَلاحَةٌ وَلا حَصَادٌ. فَقَدْ ارْسَلَنِي اللهُ قُدَّامَكُمْ لِيَجْعَلَ لَكُمْ بَقِيَّةً فِي الارْضِ وَلِيَسْتَبْقِيَ لَكُمْ نَجَاةً عَظِيمَةً. فَالْانَ لَيْسَ انْتُمْ ارْسَلْتُمُونِي الَى هُنَا بَلِ اللهُ. وَهُوَ قَدْ جَعَلَنِي ابا لِفِرْعَوْنَ وَسَيِّدا لِكُلِّ بَيْتِهِ وَمُتَسَلِّطا عَلَى كُلِّ ارْضِ مِصْرَ” (تكوين 45 : 5-8)، وقال لهم فيما بعد: “انْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرّا امَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرا لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ لِيُحْيِيَ شَعْبا كَثِيرا” (تكوين 50 : 20)، وهكذا كانت هجرة يوسف الجبرية هي “لاستبقاء حياة” أسرته وكل شعب مصر والمناطق المجاورة، و”لِيُحْيِيَ شَعْبا كَثِيرا”.

حينما علم يعقوب وصفا ويوحنا بالنعمة التي أعطاعا الرب لبيولس الرسول أعطوه يمين الشركة، وأرسلوه  وبرنابا بيعيدا عن أورشليم لخدمة الأمم، ولكن بشرط قال عنه القديس بولس في الرسالة لغلاطية: “أَنْ نَذْكُرَ الْفُقَرَاءَ [الأخوة الذين ظلوا تحت الاضطهاد في أورشليم]. وَهَذَا عَيْنُهُ كُنْتُ اعْتَنَيْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ” (غلاطية 2 : 9-10)، وهذا ما ذكره أيضا عن أهل مكدونية وأخائية أنهم ” اسْتَحْسَنُوا أَنْ يَصْنَعُوا تَوْزِيعاً لِفُقَرَاءِ الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ” (رومية 15 : 26).

وفي تاريخ الكنيسة الأولى، استخدم الله الاضطهاد والتشتت من أورشليم، ليكون بركة لنشر رسالة الانجيل. فيقول سفر الأعمال: “فَالَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ” (اعمال 8 : 4)، “أَمَّا الَّذِينَ تَشَتَّتُوا مِنْ جَرَّاءِ الضِّيقِ الَّذِي حَصَلَ بِسَبَبِ إِسْتِفَانُوسَ فَاجْتَازُوا إِلَى فِينِيقِيَةَ وَقُبْرُسَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَهُمْ لاَ يُكَلِّمُونَ أَحَداً بِالْكَلِمَةِ إِلاَّ الْيَهُودَ فَقَطْ” (اعمال 11 : 19). هؤلاء تشتتوا بسبب إضطهاد اليهود لهم في أورشليم، فأتوا إلى فينيقية وقبرس وأنطاكية ليكلموا اليهود عن انجيل المسيح، والرسالة واضحة لم يعيها.

ولكن ماذا عن مستقبل الأولاد في بلاد المهجر؟ هذا هو السؤال التقليدي الذي سمعته مئات بل آلاف المرات. ومؤخرا سمعته بصورة أخري من أخت محبوبة مرعوبة على مستقبل أبنتها في المهجر، وذلك خوفا من زواج أبنتها من شخص ذو جنسية أخرى. وهناك من رفض الهجرة خوفا أن يتركه أولاده عند بلوغ سن الثمانية عشر، وهكذا قيل له. وماذا عن المخدرات والاباحية الجنسية؟

كل مثل هذه المخاوف لا يصح أن تهزم أولاد الله، ولا حتى أن يكون لها محل في قلب أولاد الله سواء كانوا في مصر أو أمريكا أو غيرها، لأن “اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ” (2 تيموثاوس 1 : 7). لقد “كَانَ الرَّبُّ مَعَ يُوسُفَ فَكَانَ رَجُلا نَاجِحا، وَكَانَ فِي بَيْتِ سَيِّدِهِ الْمِصْرِيِّ [أي عبد في بيت فرعون الوثني، في مصر التي لا تعرف لغته العبرية ولا وصايا إلهه]” (تكوين 39 : 2).

أشكر إلهي أنني عشت ورأيت ثمار النعمة في شباب الكنيسة بالمهجر.. وأشهد بصدق مع داود النبي: “كُنْتُ فَتىً وَقَدْ شِخْتُ وَلَمْ أَرَ صِدِّيقاً تُخُلِّيَ عَنْهُ وَلاَ ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزاً” (مزامير 37 : 25).

وماذا أيضا عن الطلاق وحرية الانفصال التي يكفلها القانون لشركاء الحياة في بلاد المهجر؟ هناك من رفض بشدة الحياة في أمريكا، وذلك بسبب الخوف من انفصال شريكة الحياة، إذا عاش في بلد مثل أمريكا. ولكني لا أعتقد أن أولاد الله يحيون على هذا المستوي من فقدان المحبة والثقة بين شريكي الحياة، “إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضاً لِلْخَوْفِ بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَا الآبُ!” (رومية 8 : 15).

في خدمتي في المهجر رأيت الكثيرين من العائلات المباركة الناجحة، كما رأيت كثير من المشاكل بين الأزواج والزوجات، ولكن لم يكن السبب في المشاكل أو في فشل الحياة الزوجية هو قوانين أمريكا، بل بسبب بنيانهم الروحي الضعيف الذي جاء معهم من مصر، وهم في حاجة للتوبة الحقيقية والحياة كما يحق لانجيل المسيح، وذلك لأجل خلاص نفوسهم سواء في مصر أو في بلاد المهجر.

ولكن ماذا عن “تراب مصر”، وكنائس مصر، وأديرتها؟ هذا السؤال سأله لي الكثيرون من الأحباء في مصر. وللأجابة أود أن أقول أولا أنني لا أقصد بهذه الرسالة خروجا جماعيا، مثل خروج شعب الله أيام موسي، ولا أدعي – بشديد الدال وكسر الياء – أن الرب قد كلفني بالدعوة لذلك، كما لم يكلف أحدا بالخروج مع الأقباط لتكوين الدولة القبطية في صحراء الوادي الجديد أوحتى في صحراء كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن إن أردت أن تسمع الحق، فنحن غرباء في مصر وفي أي مكان نذهب إليه بلا فارق. القديس بولس الرسول كتب رسالة العبرانيين إلى المسيحيين – الذين كانوا من أصل يهودي – الذين تشتتوا من أورشليم بسبب الاضطهاد، وأراد تعزيتهم، فذكر لهم أن آلامهم هي شركة في آلام المسيح الذي تألم خارج أسوار أورشليم المحبوبة، وقال لهم: “لِذَلِكَ يَسُوعُ أَيْضاً، لِكَيْ يُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ، تَأَلَّمَ خَارِجَ الْبَابِ. فَلْنَخْرُجْ إِذاً إِلَيْهِ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ حَامِلِينَ عَارَهُ. لأَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لَكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَةَ” (عبرانيين 13 : 12-14).

حتى لو كانت مصر هي بمثابة “أورشليم” لنا، فلنعلم أن الخروج الاضطراري من موطن ميلادنا الجسدي – بسبب كوننا مسيحيين – هو شركة مع السيد المسيح الذي تألم خارج المحلة. ونحن على كل حال “لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ” لا مصر ولا انجلترا ولا أمريكا،  بل مع أبراهيم ننتظر ” الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ” (عبرانيين 11 : 10)، لأن “سِيرَتَنَا [وطننا أو جنسيتنا] نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضاً نَنْتَظِرُ مُخَلِّصاً هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ” (فيلبي 3 : 20).

لم أقصد أبدا تكون هذه الرسالة دعوة عامة للهجرة، ولكنني فقط قصدت بها أن تكون دعوة لأولاد الله الواقعين تحت الاضطهاد في مصر وغيرها أن يفكروا في أمر الهجرة بحرية كاملة، كأحباء لله، وبلا خوف، لأنه لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ” (1 يوحنا 4 : 18). ومن يقبل مغامرة الايمان بالهجرة، فليفعل ذلك بارتياح قلب وتسليم حياة لله، وليعلم أن الرب معه حيثما ذهب، لأنه في يد أبيه السماوي، “فَهُنَاكَ أَيْضاً تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ” (مزامير 139 : 10).

القمص أبرام سليمان

frsleman@CopticChurch.net

 

The Woman Drunk With the Blood of the Copts

I’m not a fan of interpreting the Book of Revelation in a tragic, historical manner, but the repetition of events in Egypt in the same pattern – as in the Kosheh, the Church of the Two Saints in Alexandria,  Imbaba, Almokattam, Maspiro, Amiriya and many more – made me think of the Book of Revelation, in that view.

After I heard what happened in Dahshur this week, the story of the “Drunk Woman” in Revelation 17 came to mind. I thought of how she is the “hidden party” behind all the massacres and repeated crimes in Egypt, and in many places in the world, against the people of God. Who is this “Drunk Woman”? And even when shall we give serious attention to her matter? More importantly, How to get rid of her evils?

This woman is “drunk with the blood of the saints and with the blood of the martyrs of Jesus” that is, she is “drunk on the blood of God’s people who had given their lives for Jesus” (Revelation 17: 6). This isn’t much different from what we see today. In recent times a lot of terms such as, “Political Islam,” “Islamic Brotherhood,” “Islamic Group,” “Salafis,” “Mubarak and Habib Al-Adli’s Party,” “Alfeloul,” and “thugs” and others have been heard.  It seems to me that they’re all working together – in one way or another – for the account of this “Drunk Woman”.  They “do not know what they are doing” (Luke 23:34) as they all are drunk like her.

The truth is that this “Drunk Woman,” does not represent merely an externally applied power, but one “sitting on many waters” (Revelation 1:17), i.e. sitting on “peoples and multitudes and nations and tongues” (Revelation 15:17).  Moreover, the word “sitting”, from the Koinee Greek origin, also carries the meaning of “reside.” Sadly, this “Drunk Woman” resides in the consciouses, the minds and the hearts of many people in Egypt and other countries. More dramatic is what St Paul said, “They have all turned aside; they have together become unprofitable; there is none who does good, no, not one” (Romans 3:12).

This “Drunk Woman” represents “the corrupted human nature” because of her sinful nature and evil deeds.  She is the reason for the turmoil and tragedies taking place in Egypt and the whole world.  And the works of this woman are evident, “which are: adultery, fornication, uncleanness, lewdness, idolatry, sorcery, hatred, contentions, jealousies, outbursts of wrath, selfish ambitions, dissensions, heresies, envy, murders, drunkenness, revelries, and the like which are: adultery, fornication, uncleanness, lewdness, idolatry, sorcery, hatred, contentions, jealousies, outbursts of wrath, selfish ambitions, dissensions, heresies, envy, murders, drunkenness, revelries, and the like” (Galatians 5: 19-21).

The danger of the “Drunk Woman,” is not only because she resides in the conscious, the heart and the mind of many people, but more than that many Muslim elders (Sheikhs) advocate and promotes her agenda. One of the writers, in commenting on the events of Dahshur, recently wrote: “hatred, which has been promoted in the hearts of Muslims against Copts, by Wagdy Ghoneim, Omar Abdel Rahman, Brhamme, Zoghbi, Hassan, thrust, Shahat, Khalid Abdullah and others, bear fruit every day.”

The “Drunk Woman” could influence many ranks of Egyptian society and other countries as well, from “foot to the head” as Isaiah the prophet said (Isaiah 6:1). Many have become on the same image and attitude of the “Drunk Woman” because of their evil deeds. You can tell what they are by what they do. No one picks grapes or figs from thorn bushes (Matthew 7: 16-19).

Because of this “Drunk Woman,” many have become drunk, in Egypt and in many countries as well. Horribly, they are drunk, but on what is the most heinous of alcohol: drunk on the blood of the Copts and the Christians in Iraq and elsewhere. These drunken delights of killing Christians, looting, burn their homes, destroying places of work and sabotage installations countries. They do so under the slogan of establishing “Caliphate State “and” sharia law”.

Once again we see God’s people homeless, forced to leave their houses. But this time, in the streets of Dahshur, Egypt. I am wondering in grieve, Is this of the parameters of “Caliphate State”? Is this of the features of the law? Or is this the law of “Drunk Woman,” which revels unchecked and uncontrolled in Egypt and other? This is very alarming. I wish the whole world wake up. The activities of this “Drunk Woman” and her alliances are not confined to Egypt alone. They are also in Iraq, Syria, Europe, the United States and other countries in the world.

The advocates of reform and liberals, the advocates of the so-called “Moderate Islam” as well as the so-called “The House of the Family” in Egypt, have failed to solve the problem of “extremism” and “sectarian strife” and “bullying”. No one has “divine power” – or what we call “grace”- that alone can liberate people from the dark dominion of “Drunk Woman.” Only the grace of God can transform people to the nature of the heavenly Christ, the divine preacher of love and peace for all nations.

The only solution for all the tragedies in Egypt and the whole world is the response of God to the groaning of His people and saving them from the sufferings (Exodus 7:3). On the other hand, the acceptance of faith in Christ Jesus and His redemption is the way for the abundance of divine grace, the power that can change the nature of people. In Christ, we have redemption through His blood the forgiveness of sins, according to the riches of His grace (Ephesians 1: 7). This is what I hope for, to our fellow Muslims and others, and pray for it.

My heart and my prayers are with every family displaced in Dahshur. !!

Fr. Abraam Selman

St Abraam Ministry

PO Box 6909 East Brunswick, NJ 08816

frsleman@CopticChurch.net

المرأة السكرى بدم الأقباط

لست من هواة تفسير سفر الرؤيا بطريقة تاريخية مأساوية، ولكن تكرار الأحداث الدموية في كثير من المواضع في مصر وغيرها كثير، جعلني أفكر كثيرا في سفر الرؤيا. وازاء هذه الجرائم، تواردت على ذهني قصة هذه “المرأة السكرى” التي وردت في الأصحاح 17 من السفر، وكيف أنها “الطرف الخفي” وراء المذابح والجرائم المتكررة في مصر، وفي أماكن كثيرة في العالم، ضد شعب الله. فمن هذه “المرأة السكرى”؟ وحتي متى لاننتبه لهذه “المرأة السكرى”؟ وما هو الحل للخلاص من شرورها؟

هذه المرأة “سَكْرَى مِنْ دَمِ الْقِدِّيسِينَ وَمِنْ دَمِ شُهَدَاءِ يَسُوعَ” أي أنها “سَكْرَى لِكَثْرَةِ مَا شَرِبَتْ مِنْ دَمِ الْقِدِّيسِينَ، وَدَمِ شُهَدَاءِ يَسُوعَ الَّذِينَ قَتَلَتْهُمْ” (رؤيا 17 : 6)، ولا أرى ذلك بعيدا عما نراه اليوم، فلقد تردد في الآونة الأخيرة الكثير من المصطلحات مثل “الاسلام السياسي” و”جماعة الأخوان” و”الجماعة الاسلامية” و”السلفيين” و”نظام مبارك وحبيب العادلي” و”الفلول” و”البلطجية” وغيرهم، ولكن يبدو أنهم جميعا يعملون معا – بصورة أو بأخرى – لحساب هذه “المرأة السكرى”، وهم “لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ” (لوقا 23 : 34).

الخطير في أمر هذه “المرأة السكرى” أنها لا تمثل مجرد نظاما خارجيا يتحالف معها عملائها، بل هي “جالسة على المياه الكثيرة” (رؤيا 1:17)، أى على “شُعُوبٌ وَجُمُوعٌ وَأُمَمٌ وَأَلْسِنَةٌ” (رؤيا 15:17). وكلمة “جالسة” في أصلها اليوناني تحمل أيضا معني “تسكن reside” ، أي أنها “ساكنة” في الكثير – الأغلبية – من الشعوب والجموع والأمم والألسنة ، و”الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (رومية 3 : 12).

هذه “المرأة السكرى” تمثل “الطبيعة البشرية الفاسدة” الساكنة في الكثير من الأشخاص، وهي  السبب في الاضطرابات والمآسي الحادثة في مصر والعالم كله، وهي وراء كل الأعمال الوحشية التي لا يقبلها الله، ولا يقرها عقل. وأعمال هذه المرأة ظاهرة، “الَّتِي هِيَ زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ” (غلاطية 5 : 19-21).

ولم يقتصر الأمر على سكنى هذه “المرأة السكرى” في كيان الشعوب، بل المؤسف للأمر، أن كثير من شيوخ ودعاة الأسلام يروجون لأعمال هذه “المرأة السكرى”، وكما قالت إحدى الكاتبات – في تعليقها على أحداث دهشور الأخيرة – أن ”الكراهية” التي بثها ”وجدي غنيم، وعمر عبد الرحمن، وبرهامي، والزغبي، وحسان، والحويني، والشحات، وخالد عبد الله، وسواهم في قلوب المسلمين ضد الأقباط تؤتي ثمارها كل يوم”.

استطاعت هذه “المرأة السكري” أن تسيطر على فئات كثيرة من المجتمع المصري – وغيره – من “القدم إلى الرأس” على رأي أشعياء النبي (أشعياء 6:1)، وصار لهم نفس هيئة “المرأة السكري” وأعمالها الشريرة، و”مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَباً أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِيناً؟ هَكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَاراً جَيِّدَةً وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَاراً رَدِيَّةً لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَاراً رَدِيَّةً وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَاراً جَيِّدَةً” (متى 7 : 16-19).

بسبب هذه “المرأة السكرى” كثر السكارى في مصر وكثير من البلاد، ولكنهم سكارى بما هو أبشع من الخمر: سكارى بدم الأقباط والمسيحيين في العراق وفي غيرها، وهؤلاء السكارى يتلذذون بقتل المسيحيين ونهبهم وحرق منازلهم وأماكن أعمالهم وتخريب منشآت الدول من أجل تحقيق دولة “المرأة السكرى” تحت شعار “دولة الخلافة” و”تطبيق الشريعة”… ومرة أخري نري شعب الله مشردين في كثير من شوارع مصر، فهل هذه هي معالم “دولة الخلافة”؟ وهل هذه معالم الشريعة؟ أم هي شريعة “المرأة السكرى” التي ترتع بلا ضابط في مصر وغيرها!! وليستيقظ العالم كله، لأن نشاط هذه “المرأة السكرى” ليس قاصرا على مصر وحدها، بل هو أيضا في العراق وسوريا وأوربا والولايات المتحدة الأمريكية، وغير ذلك من دول العالم.

لقد فشل كل دعاة الاصلاح والليبراليين، كما فشل دعاة ما يسمى “الاسلام الوسطي”، وأيضا ما يسمى “بيت العائلة” في مصر، وكل هؤلاء فشلوا في حل مشكلة “التطرف” و”الفتنة الطائفية” و “البلطجة”، لأن لا أحد يملك “القوة الألهية” – أو ما نسميها “النعمة” – التي تقدر وحدها على تحرير الانسان من سلطان مملكة “المرأة السكرى” المظلم، إلى الحياة بطبيعة المسيح السماوي الكارز بالحب والسلام لجميع الأمم.

الحل الوحيد لكل المآسي في مصر والعالم كله، هو استجابة الله لأنين شعبه وخلاصهم من أوجاعهم (خروج 7:3)،  وقبول الايمان بالمسيح يسوع وفدائه، لنوال فيض النعمة الالهية التي تغير طبيعة الانسان الداخلية، “الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (افسس 1 : 7)..هذا ما نرجوه أيضا لأخوتنا المسلمين وغيرهم، ونصلي من أجله.

قلبي وصلاتي مع اسر الضحايا.. وسلام لمصر والعالم في المسيح يسوع..

القمص أبرام سليمان

frsleman@CopticChurch.net