المرأة السكرى بدم الأقباط

لست من هواة تفسير سفر الرؤيا بطريقة تاريخية مأساوية، ولكن تكرار الأحداث الدموية في كثير من المواضع في مصر وغيرها كثير، جعلني أفكر كثيرا في سفر الرؤيا. وازاء هذه الجرائم، تواردت على ذهني قصة هذه “المرأة السكرى” التي وردت في الأصحاح 17 من السفر، وكيف أنها “الطرف الخفي” وراء المذابح والجرائم المتكررة في مصر، وفي أماكن كثيرة في العالم، ضد شعب الله. فمن هذه “المرأة السكرى”؟ وحتي متى لاننتبه لهذه “المرأة السكرى”؟ وما هو الحل للخلاص من شرورها؟

هذه المرأة “سَكْرَى مِنْ دَمِ الْقِدِّيسِينَ وَمِنْ دَمِ شُهَدَاءِ يَسُوعَ” أي أنها “سَكْرَى لِكَثْرَةِ مَا شَرِبَتْ مِنْ دَمِ الْقِدِّيسِينَ، وَدَمِ شُهَدَاءِ يَسُوعَ الَّذِينَ قَتَلَتْهُمْ” (رؤيا 17 : 6)، ولا أرى ذلك بعيدا عما نراه اليوم، فلقد تردد في الآونة الأخيرة الكثير من المصطلحات مثل “الاسلام السياسي” و”جماعة الأخوان” و”الجماعة الاسلامية” و”السلفيين” و”نظام مبارك وحبيب العادلي” و”الفلول” و”البلطجية” وغيرهم، ولكن يبدو أنهم جميعا يعملون معا – بصورة أو بأخرى – لحساب هذه “المرأة السكرى”، وهم “لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ” (لوقا 23 : 34).

الخطير في أمر هذه “المرأة السكرى” أنها لا تمثل مجرد نظاما خارجيا يتحالف معها عملائها، بل هي “جالسة على المياه الكثيرة” (رؤيا 1:17)، أى على “شُعُوبٌ وَجُمُوعٌ وَأُمَمٌ وَأَلْسِنَةٌ” (رؤيا 15:17). وكلمة “جالسة” في أصلها اليوناني تحمل أيضا معني “تسكن reside” ، أي أنها “ساكنة” في الكثير – الأغلبية – من الشعوب والجموع والأمم والألسنة ، و”الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (رومية 3 : 12).

هذه “المرأة السكرى” تمثل “الطبيعة البشرية الفاسدة” الساكنة في الكثير من الأشخاص، وهي  السبب في الاضطرابات والمآسي الحادثة في مصر والعالم كله، وهي وراء كل الأعمال الوحشية التي لا يقبلها الله، ولا يقرها عقل. وأعمال هذه المرأة ظاهرة، “الَّتِي هِيَ زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ” (غلاطية 5 : 19-21).

ولم يقتصر الأمر على سكنى هذه “المرأة السكرى” في كيان الشعوب، بل المؤسف للأمر، أن كثير من شيوخ ودعاة الأسلام يروجون لأعمال هذه “المرأة السكرى”، وكما قالت إحدى الكاتبات – في تعليقها على أحداث دهشور الأخيرة – أن ”الكراهية” التي بثها ”وجدي غنيم، وعمر عبد الرحمن، وبرهامي، والزغبي، وحسان، والحويني، والشحات، وخالد عبد الله، وسواهم في قلوب المسلمين ضد الأقباط تؤتي ثمارها كل يوم”.

استطاعت هذه “المرأة السكري” أن تسيطر على فئات كثيرة من المجتمع المصري – وغيره – من “القدم إلى الرأس” على رأي أشعياء النبي (أشعياء 6:1)، وصار لهم نفس هيئة “المرأة السكري” وأعمالها الشريرة، و”مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَباً أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِيناً؟ هَكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَاراً جَيِّدَةً وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَاراً رَدِيَّةً لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَاراً رَدِيَّةً وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَاراً جَيِّدَةً” (متى 7 : 16-19).

بسبب هذه “المرأة السكرى” كثر السكارى في مصر وكثير من البلاد، ولكنهم سكارى بما هو أبشع من الخمر: سكارى بدم الأقباط والمسيحيين في العراق وفي غيرها، وهؤلاء السكارى يتلذذون بقتل المسيحيين ونهبهم وحرق منازلهم وأماكن أعمالهم وتخريب منشآت الدول من أجل تحقيق دولة “المرأة السكرى” تحت شعار “دولة الخلافة” و”تطبيق الشريعة”… ومرة أخري نري شعب الله مشردين في كثير من شوارع مصر، فهل هذه هي معالم “دولة الخلافة”؟ وهل هذه معالم الشريعة؟ أم هي شريعة “المرأة السكرى” التي ترتع بلا ضابط في مصر وغيرها!! وليستيقظ العالم كله، لأن نشاط هذه “المرأة السكرى” ليس قاصرا على مصر وحدها، بل هو أيضا في العراق وسوريا وأوربا والولايات المتحدة الأمريكية، وغير ذلك من دول العالم.

لقد فشل كل دعاة الاصلاح والليبراليين، كما فشل دعاة ما يسمى “الاسلام الوسطي”، وأيضا ما يسمى “بيت العائلة” في مصر، وكل هؤلاء فشلوا في حل مشكلة “التطرف” و”الفتنة الطائفية” و “البلطجة”، لأن لا أحد يملك “القوة الألهية” – أو ما نسميها “النعمة” – التي تقدر وحدها على تحرير الانسان من سلطان مملكة “المرأة السكرى” المظلم، إلى الحياة بطبيعة المسيح السماوي الكارز بالحب والسلام لجميع الأمم.

الحل الوحيد لكل المآسي في مصر والعالم كله، هو استجابة الله لأنين شعبه وخلاصهم من أوجاعهم (خروج 7:3)،  وقبول الايمان بالمسيح يسوع وفدائه، لنوال فيض النعمة الالهية التي تغير طبيعة الانسان الداخلية، “الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (افسس 1 : 7)..هذا ما نرجوه أيضا لأخوتنا المسلمين وغيرهم، ونصلي من أجله.

قلبي وصلاتي مع اسر الضحايا.. وسلام لمصر والعالم في المسيح يسوع..

القمص أبرام سليمان

frsleman@CopticChurch.net

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>