مأزق الطعون في الانتخابات البابوية

لم يخطرعلى بالي أبدا أنني يوما ما سأكون أحد الناخبين للمرشحين للبابوية، وكنت أصلي أن يعبر الرب عني هذه الكأس لسببين: أولهما حتى لا أقع في حيرة الاختيار لأحدهم دون الآخر، والسبب الثاني هو لتفادي الوقوع – مع الآخرين – في مأزق  الطعون في أي من المرشحين، حسبما تقتضي لائحة الانتخابات..

وفيما يخص السبب الثاني، لا أعتقد أبدا أن موضوع “الطعون” يتفق مع طبيعتي، لأنه خلال السنين الطويلة في خدمتي بالكنيسة  لم يحدث أبدا أن نظرت لأي من الآباء بصورة سلبية، بل أري فيهم عظمة الروح القدس الذي يستخدم حتى ضعفاتهم لمجد اسم الله، وأراهم كلهم في بر المسيح أروع من الروعة، وهم آباؤنا ومرشدينا الذين كلمونا بكلمة الله (عبرانيين 7:13)…

ولكن ماذا نقول عن ما يدور الآن من جدل بهذا الشأن؟ وماذا نقول عن ما نسمعه من اعتراضات الكثيرين على أشخاص معينين؟ وماذا يمكن أن يترتب على ذلك؟ وكيف يكون الخروج من مأزق وعثرة الطعون في المرشحين للبابوية؟

لقد سبق أن كتبت – بنعمة الرب – مقالين بشأن إختيار قداسة البابا الجديد، قبل إعلان أسماء المرشحين، أولهما هو: “البابا الجديد والتحديات المعاصرة“، والثاني هو: “الترشيح للبابوية الجليلة“، وذكرت الكثير من الملامح التي نرجوها في قداسة البابا الجديد، وطريقة اختياره، وطريقة الاعتراض على الآباء المرشحين. ولا أريد تكرار ما سبق أن نشرته، إذ يمكن الرجوع إليه.

ولكنني أود القول هنا أن رؤيتنا لمجد عمل روح الله في آباء الكنيسة، وروعتهم في بر المسيح، لا تعني بأي حال من الأحوال إنكار أو تجاهل الضعفات البشرية، فالكنيسة الأرثوذكسية لا تؤمن حتى بعصمة قداسة البابا، ولذلك ليس غريبا أن يكون هناك تحفظات وتساؤلات واعتراضات بشأن بعض الآباء المرشحين، وذلك فيما يخص طريقة تعامل أحدهم أو بعضهم مع الناس وخاصة الشباب، ومع أصحاب الرتب الكهنوتية، والعلاقة مع الطوائف الأخرى، ومواقفهم من الحكومة و الأخوة المسلمين، وتصرفهم في الأمور المالية، ومدي مشاركتهم في العمل الكنسي العام طوال السنين السابقة، والالتزام بالروح الأرثوذكسية في التعليم والعبادة، ودوافع قبولهم الترشيح للبابوية، وغير ذلك.

ولست في مجال إثبات أو إنكار نقاط الضعف في أي من هذه الأمور – فهذا ليس محله – ولكن يجب أن نعلم جيدا أن الله هو الذي  يحكم أولا في هذه الأمور بعينية الفاحصتين، وهو الذي يعرف مدى خطورة أى من هذه الأمور لمستقبل الكنيسة وسلامها، ويعرف أيضا مدى صحتها وخطورتها علي خلاص الأباء المرشحين وأبديتهم، لأن ” اَلرَّبُّ فِي هَيْكَلِ قُدْسِهِ. الرَّبُّ فِي السَّمَاءِ كُرْسِيُّهُ. عَيْنَاهُ تَنْظُرَانِ. أَجْفَانُهُ تَمْتَحِنُ بَنِي آدَمَ” (مزامير 11 : 4)،

 بل يجب أن نثق أيضا أن كل واحد من ألاباء المرشحين قادر أن يحكم بصدق على نفسه وعلى دوافعه لقبول الترشيح، وهذا الأمر لا يخفى عليهم، وخاصة أن جميعهم من الآباء المكرمين العارفين بوصايا الرب وتعاليمه ، لأنه “مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟” (1 كورنثوس 2 : 11)،

ومع هذا كله، أرى أنه من الحكمة ضرورة تفادي مثل هذه الضعفات بقدر الإمكان، حتي لا نكون في موضع تجربة للرب (تثنية 16:6، لوقا 12:4)، ولا تكون هذه الضعفات – ان وجدت – سببا لمتاعب مستقبلة في الكنيسة، أو سببا لعثرة المرشح المختار أو لأي أحد من شعب الكنيسة أو غيرهم. ولكن من الضروري أيضا أن يتم هذا بطريقة روحية، وبدون الاخلال بسلام الكنيسة أو الكرامة اللائقة لأي من الآباء المرشحين الأجلاء.

ولكنني أرى في هذه الأيام أن الكثير مما يحدث في هذا الشأن يتجاوز حدود اللياقة الروحية والكنسية، فالبعض يقومون بنشر اعتراضاتهم علانية على الانترنت وفي الصحافة، بدافع الغيرة – كما يقولون – وفي هذا يصح قول القديس بولس الرسول: “أَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّ لَهُمْ غَيْرَةً لِلَّهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ حَسَبَ الْمَعْرِفَةِ” (رومية 10 : 2)، و”عدم المعرفة” – في هذا الصدد – هو تجاهل الأصول الروحية والكنسية للتصرف في مثل هذه الأمور.

كنت أرجو أن تكون كتابات المعترضين أمرا في غاية السرية بينهم وبين أصحاب النيافة والآباء الأجلاء موضوع الاعتراض، وليست للنشر العام. فقد علمنا الرب يسوع تسوية الأمور مع الأخوة بطريقة انفرادية (متى 18 : 15)، فإذا كان هكذا يجب السلوك مع الأخوة، فكم يجب أن يكون مع الآباء الأجلاء؟ وكنت أرجو – إذا لزم بعد ذلك – أن تكون مناقشة هذه الأمور بطريقة سرية مع نيافة الحبر الجليل الأنبا باخوميوس القائم مقام، أومع الآباء الأجلاء والأخوة الأفاضل أعضاء لجنة الترشيحات.

ولا أعتقد أن سير الأمور بهذه الطريقة – الجارية الآن – يتفق مع روح المسيح. هل نسينا أن كل أب من آباء الكنيسة له كرامته الخاصة عند الله والناس كرؤساء للشعب؟ وهل نسينا قول الكتاب: “رَئِيسُ شَعْبِكَ لاَ تَقُلْ فِيهِ سُوءاً” (اعمال 23 : 5)؟ وهل نسينا المكتوب: ”أَمَّا الشُّيُوخُ الْمُدَبِّرُونَ حَسَناً فَلْيُحْسَبُوا أَهْلاً لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ” (1 تيموثاوس 5 : 17)؟  ولكن ما يحدث الآن هو أسوأ مما نهى عنه سفر اللاويين (لاويين 18 : 7)، والأمور وصلت إلى حد “العثرة” للكثيرين (متى 7:18، لوقا 1:17، روميه 17:16).

وفي الوقت الذي كشف فيه أحد الأباء المعترضين عن أسمه صراحة – في جدال لم يجب أن يكون – اختفى الكثيرون من أصحاب الطعون تحت أسماء وهمية، وكل منهم يدعي أنه “ناطق بالحق”. ولكننا في الحقيقة لم نرى أبدا – في كل تاريخ الكتاب المقدس وسير القديسين والشهداء – أي ناطق للحق خائف من الاعلان عن شخصيته، ولذلك مع فقدانهم للياقة الروحية والكنسية افتقدوا أيضا  ”روح إيليا” (لوقا 1 : 17)، وشجاعة يوحنا المعمدان (مرقس 18:6).

الأمر الذي يؤكد أيضا بالأكثر – أن تناول الأمور بمثل هذه الطريقة ليس حسب فكر المسيح – هو التهديد سواء بنشر ملفات تدين أي من المرشحين، أو الانفصال عن الكنيسة وغير ذلك. ومعروف أن التهديد – مهما كان موضوعه – ليس من فكر المسيح الذي “إِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ، بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْلٍ” (1بطرس 2 : 23). كما أن نشر الملفات – ان وجدت – أمر غير أخلاقي، ويتنافى مع روح محبة المسيح (1بطرس 4 : 8) ، والتهديد بالانفصال عن الكنيسة أمر يتنافي مع الايمان بالكنيسة الواحدة، ورغبة قلب الرب يسوع في وحدة الكنيسة (يوحنا 11:17، 21).

قلبي مع الكنيسة في مصر في هذه الظروف، فمع أوجاعها من الخارج – في ظل الظروف السيئة في البلاد – تأتي الأوجاع من داخل الكنيسة أيضا، ممثلة في عثرة الطعون في المرشحين للبابوية، وصارت المخاوف والخصومات من الخارج ومن الداخل، وليس هناك راحة (2 كورنثوس 7 : 5)…

قلبي أيضا مع لجنة الترشيحات، وأشكر الله أنني لست واحدا منهم، ولا أعلم كيف سيستطيعون تخفيض عدد المرشحين إلى سبعة اشخاص على الأكثر، ولكنني أعلم أنهم سيفعلون هكذا حسب اللائحة مهما كان الثمن أو النتيجة… وربما سيكون الثمن هو انقسام الكنيسة أو المجمع المقدس، إذا استمرت الأمور بهذه الطريقة، وهذا أمر لا نرجوه، كما لا نرجو لبابا الكنيسة الجديد أو لأي من الأباء المرشحين أدنى تجريح. السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما هي الوسيلة للخروج – من مأزق الطعون في المرشحين للبابوية –  بسلام دون عثرة أو تجريح؟…

لنا في حياة الرب يسوع المسيح القدوة للخلاص من مأزق عثرة الطعون في الترشيحات للبابوية، فقد وضع ابن الله نفسه في مركز الاجنبي – بحرية كاملة – لكي لا يكون سببا في عثرة لأحد، وذلك حينما طلب السيد المسيح من بطرس أن يدفع ضريبة الدرهمين، نيابة عنه وعن نفسه- بحرية مطلقة – حتى لا يعثر الذين “يَأْخُذُونَ الدِّرْهَمَيْنِ”  (متى 17 : 24-27).  والأكثر من ذلك أنه وهو “الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ” (فيلبي 2 : 6-8).

لا أعتقد أن الخروج من مأزق وعثرة الطعون في الترشيحات للبابوية هو أمر في يد لجنة الترشيحات وحدها، ولا في يد المعترضين وحدهم سواء كانوا على حق أو غير حق، ولكن الأمر في يد الآباء الأجلاء المرشحين للبابوية في المركز الأول، فهم المعتبرون أعمدة بالكنيسة، مع الأباء الأجلاء في المجمع المقدس، وفي لجنة الترشيحات (غلاطية 9:2) ، وهم الأقوياء المطلوب منهم احتمال ضعف الضعفاء (رومية 15 : 1).

وعلى مثال الرب يسوع المسيح، أثق أن روح المسيح يسكن في الأباء الأجلاء المرشحين للبابوية، ولعلهم يشاركونني الشعور بخطورة الموقف، ولعل الكثيرون منهم يقدمون اعتذارهم عن قبول الترشيح للبابوية، باختيارهم الحر وفي الوقت المناسب، وذلك حرصا على سلام الكنيسة ووحدتها، وتفاديا لعثرة الكثيرين. ولاشك أن كل واحد منهم سيظل هو الأول في قلب الرب وقلوب شعب الكنيسة، وذلك بوضعه لنفسه بأن يكون “آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِماً لِلْكُلّ” (مرقس 9 : 34).. وهذا ما ننشده للخروج من مأزق وعثرة الطعون في المرشحين للبابوية.

الأمر كله متروك لله وللأباء الأجلاء، ونطلب من الله سلاما وبنيانا لكنيسة الله الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة الرسولية. أمين

القمص أبرام سليمان – جرسي سيتي نيو جرسي

frsleman@CopticChurch.net

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>