بطريرك ولكن بلا قيود – القمص أبرام سليمان

كثرت هذه الأيام الأحاديث عن الزمن الذي فيه كانوا يأتون بالمرشح للبابوية مقيدا بالسلاسل، وذلك لعدم رغبته للترشيح في البابوية. وبينما يبكي البعض على هذا الزمن، لا يدرون أننا قيدنا أنفسنا بسلاسل أخرى.  وربما يحتاج كثير من الذين يتناقلون مثل هذا الكلام – لسبب أو لآخر – إلى رؤية إلهية موضوعية من منظور رؤية الله لاختيار البابا الجديد.

في الواقع أننا – أي الكنيسة – قد وضعنا سلاسل وقيود لاختيار البابا، ولكن من نوع آخر، وذلك من خلال القوانين واللوائح عبر العصور التي قد لا تتفق مع مشيئة الله في كثير من الأمور، وأيضا قد لا تصلح للتنفيذ في هذا العصر. وأصبحت مثل هذه القوانين واللوائح ليست قيودا في أيدي مرشح البابوية، ولكنها للأسف قيود وسلاسل للكنيسة، حتى لا تنعم بحرية الله المطلقة في اختيار الله للآب البطريرك. وعلى حد تعبير بولس الرسول، أشتاق أن أرى قداسة البابا الجديد بطريركا، ولكن “مَا خَلاَ هَذِهِ الْقُيُودَ” (اعمال 26 : 29).

ونحن الآن نعاني من نتيجة ما صنعه ابائنا ومانصنعه نحن بلا تفكير هادئ مستنير. إذ كلما نفرض شروطا أكثر لاختيار المرشحين، ونحصره في مجموعة أصغر- بمثل هذه القوانين واللوائح الحاكمة – قد نخسر نحن اختيار الله للأفضل. أليس الله حرا في اختيار من يراه للبابوية؟ فلماذا كل هذه القوانين واللوائح التى قد تتنافى – في كثير من الأحيان – مع فكر الله الواضح ومشيئته المعلنة بقوة على صفحات الكتاب المقدس؟

معروف أن كلمة “بطريرك” تعني “أب الآباء” أو “رئيس الآباء”، ولم تعرف كلمة “بطريرك” إلا في القرن الخامس الميلادى، فقد أستعمل هذا اللقب لأول مرة في عهد الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير (401-450م) وكان الإمبراطور ثيؤدوسيوس هو أول من دعا أسقف روما “بطريركًا”.

أطلق الروح القدس  لقب رَئِيسُ الآبَاءِ” على “ابراهيم” (عبرانيين 7 : 4)،  ثم صار هذا اللقب على “أبراهيم واسحق ويعقوب” وأيضا أولاد يعقوب الاثنى عشر الذين قال عنهم القديس اسطفانوس: “رُؤَسَاءَ الآبَاءِ الاِثْنَيْ عَشَرَ” (اعمال 7 : 8). ومن وجهة التقليد الكنسى العام، تطلق كلمة “بطريرك” على تلاميذ الرب الإثنى عشر، وعلى السبعين رسولًا، والقديس مرقس الرسول هو “البطريرك” الأول لكرسى كنيسة الإسكندرية.

السؤال البسيط الذي يطرح نفسه الآن، من الذي دعى أبراهيم وأعطاه النعمة ليكون أب للمؤمنين جميعا؟ ومن الذي دعا التلاميذ الاثنى عشر وأعطاعم النعمة ليكونوا أول بطاركة للكنيسة المسيحية؟ ومن الذي دعا القديس مرقس الرسول وأعطاه النعمة ليكون أول بطريرك لكنيسة الأسكندرية؟ أليس هو الله نفسه بمشيئته المطلقة، الذي “مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ” (افسس 3 : 15)؟ قال الرب يسوع لتلاميذه: “أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ الاِثْنَيْ عَشَرَ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ!” (يوحنا 6 : 70)، لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ” (يوحنا 15 : 16).

ولهذا يعلن كبير الأساقفة سلطان الله المطلق، وعمله في اختيار البابا في طقس رسامته: “أيها الإله الحقيقي وحده مع ابنك الوحيد والروح القدس هذا الذي من قبله نسأل ونضرع إلى صلاحك عن ابنك (فلان) هذا الذي أفرزته ومجدته واصطفيته رئيس كهنة على كل بيعتك ليكون رئيساً ومقدماً لشعبك”.

لم نسمع مطلقا أن الله قد استشار أحدا في اختيار الأشخاص للمهام الإلهية الكبيرة، لأنه “مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيراً؟” (رومية 11 : 34). ففي اختيار داود ليكون ملكا، اشترك صموئيل النبي مع يسى في تنفيذ اجراءات الاختار، ولكن كانت الكلمة المطلقة في الاختيار لله. . فقد كان من رأي صموئيل إختيار “إلياب” أخو “داود” لأنه “طويل القامة”، ولكن الرب رفض مثل هذه الاعتبارات التي وضعها صموئيل كقيود للاختيار، وقال لصموئيل: “لاَ تَنْظُرْ إِلَى مَنْظَرِهِ وَطُولِ قَامَتِهِ لأَنِّي قَدْ رَفَضْتُهُ. لأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ الْإِنْسَانُ. لأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ” (1 صموئيل 16 : 6-7)، وأعلن الرب اختياره في النهاية لداود الذي قيل عنه أنه “الصغير” الذي “يرعى الغنم” (1 صموئيل 16 : 11).

وقد يكون اختيار الله بمثابة مفاجأة للشخص بل وربما عجبا للكنيسة كلها، “لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النَّاسِ! فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءُ حَسَبَ الْجَسَدِ. لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءُ. لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءُ. بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ” (1 كورنثوس 1 : 25-29)..

الأمر لا يرتبط باعتبارات وقوانين ولوائح، ولكن المهم هو “مَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ” (لوقا 12 : 42)، ومن هو الذي سيسمع صوت سيده: “نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ. كُنْتَ أَمِيناً فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. ادْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ” (متى 25 : 21، 23، لوقا 17:19).

كان اختيار الله لشاول ليكون فيما بعد القديس العظيم بولس الرسول أمرا يفوق تصور أي عقل. فقد قال عن نفسه: “أُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عُلِّمْتُهُ. بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَبْلاً فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ، أَنِّي كُنْتُ أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُتْلِفُهَا. وَكُنْتُ أَتَقَدَّمُ فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ عَلَى كَثِيرِينَ مِنْ أَتْرَابِي فِي جِنْسِي، إِذْ كُنْتُ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي. وَلَكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ” (غلاطية 1 : 11-15).

ولما طلب الرب من حنانيا أن يذهب لشاول، تردد ولم يقبل في البداية، وأجاب الرب: “يَا رَبُّ قَدْ سَمِعْتُ مِنْ كَثِيرِينَ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ كَمْ مِنَ الشُّرُورِ فَعَلَ بِقِدِّيسِيكَ فِي أُورُشَلِيمَ. وَهَهُنَا لَهُ سُلْطَانٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُوثِقَ جَمِيعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِكَ”. فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: “اذْهَبْ لأَنَّ هَذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ. لأَنِّي سَأُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي” (اعمال 9 : 13-16).

وكان دخول شاول بمثابة مفاجأة وعجب في الكنيسة. فلما رأوه يكروز في المجامع بالمسيح “أَنْ هَذَا هُوَ ابْنُ اللهِ”، تعجبوا قائلين: “أَلَيْسَ هَذَا هُوَ الَّذِي أَهْلَكَ فِي أُورُشَلِيمَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهَذَا الاِسْمِ وَقَدْ جَاءَ إِلَى هُنَا: لِيَسُوقَهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ؟” (اعمال 9 : 20-21). والآن أي قانون أو لائحة كنسية كانت تسمح أن يكون “شاول” رسولا في الكنيسة؟

وعلاوة على مشيئة الله المطلقة في إختيار رئيس الآباء – بل وكل الرتب الكهنوتية – فهو أيضا الذي يمنح نعمة الروح القدس لإقامة الأب البطريرك وكل الرتب الكهنوتية، في المسيح يسوع. ولذلك نسمع تسبحة الأربعة المخلوقات الحية: “مُسْتَحِقٌّ أَنْتَ… لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا لِلَّهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لِإِلَهِنَا مُلُوكاً وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ” (رؤيا 5 : 9-10).

ولذلك يطلب كبير الأساقفة حلول نعمة الروح القدس في صلوات رسامة الأب البطريرك، فيقول:  ”أفض عليه الروح الرئاسي الذي لمعرفتك… الروح القدس روح الحق روح الكمال المعزي هذا الذي أعطيته لرسلك القديسين ولأنبيائك. امنحه يارب قضيب قوتك الذي صعد من أصل يسى هذا الذي استراح عليه سبعة أرواح الله الموسقة من ثمار البر. روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة. روح المعرفة والتقوى…  امنحه يارب سلطان روح قدسك… واحفظ كهنوته بلا عيب إلى الانقضاء ليخدمك بذبائح رحية كل حين كرتبة رئيس الكهنة الأعظم الذي في السماوات يسوع المسيح ربنا هذا الذي من قبله المجد والإكرام والعز يليق بك معه والروح القدس الآن وكل أوان”

أؤمن أن اختيار الله للأب البطريرك هو عمل سيادي يخص مشيئة الله المطلقة، وينفذه بروحه القدوس. لذلك قال الرب لنيقوديموس: “اَلرِّيحُ [الروح] تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا لَكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هَكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ” (يوحنا 3 : 8). ماذا لو أراد الرب أن يكون البطريرك الجديد مطرانا أو أسقفا أوراهبا أو حتى علمانيا متزوجا؟ أتري يستطيع أحد أن يمنع الروح القدس ليختار ويعمل في من يشاء؟ أم مازلنا نطلب بطريركا مقيدا بقيود مشيئتنا البشرية؟ وإلى متى سنظل تحت قيود الاحتكام إلى القوانين واللوائح البشرية وصناديق الانتخاب؟

ومن يطالع تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يجد أن هناك مطارنة وأساقفة تمت رسامتهم باباوات بطاركة، بل وهناك علمانيين مدنيين متزوجين وصل عددهم إلي نحو 42، وذلك منذ دخول المسيحية مصر علي يد مار مرقس الرسول البطريرك الأول في تاريخ الكنيسة القبطية.

كانت الكنيسة الأولى – في سفر الأعمال – تخدم الرب وتصوم وتصلى، وتطلب إعلان الروح القدس، بعيدا عن سلاسل وقيود القوانين واللوائح التي صنعناها على مر العصور. ويقدم لنا سفر الأعمال مثالا لذلك: “كَانَ فِي أَنْطَاكِيَةَ فِي الْكَنِيسَةِ هُنَاكَ أَنْبِيَاءُ وَمُعَلِّمُونَ: بَرْنَابَا وَسِمْعَانُ… وَلُوكِيُوسُ الْقَيْرَوَانِيُّ وَمَنَايِنُ… وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ. فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا” (اعمال 13 : 1-3). ألا يزال الروح القدس قادرا على تدبير قيادة الكنيسة؟

أنا لست صاحب كلام، لا في هذا الأمر ولا غيره، ولكني فقط أردت أن أطرح الموضوع، والأمر متروك الأباء المعتبرون أعمدة بالكنيسة. “لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا لَكِنْ لاِسْمِكَ أَعْطِ مَجْداً مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ مِنْ أَجْلِ أَمَانَتِكَ” (مزامير 115 : 1).

القمص أبرام سليمان

frsleman@CopticChurch.net

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>