كنيسة مغطاة بجلود التخس – القمص أبرام سليمان

بينما تشترك كل الكنائس القبطية الأرثوذكسية في طقوس العبادة والكثير من الأنشطة، إلا أن البعض يعتبرون كنيسة مارمرقس بجرسي سيتي أنها “كنيسة مغطاة بجلود التخس”. وربما تسألني: لماذا الحديث عن هذه الكنيسة دون غيرها؟ ما هي “جلود التخس”؟ دعني اكتب لك بعضا من مذكراتي الشخصية لعلك تشاركني بما اشعر به نحو هذه الكنيسة.

أقدس كل الكنائس، وأقدر خدمة كل الآباء في كل الكنائس، ولكنني فقط أكتب عما اختبرته في كنيسة مارمرقس بجرسي سيتي، وعلى مثال ما فعله القديس بولس الرسول أقول لأنني خادم كنيسة مارمرقس بجرسي سيتي أمجد الخدمة التي وهبها لي الرب، لأعلن عن عمل الله القوي، وليتمجد أسمه القدوس (رومية 11 : 13).

اتذكر وقت دعوتي – من قبل المتنيح قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث للخدمة في هذه الكنيسة عام 1995 – كان كثير من الأحباء ينتظرون عودتي من كلورادو للخدمة في كنيسة العذراء بأرض الجولف التي سبق أن خدمت بها في ربيع عمري. ولما علموا ان محطتى التالية هي جرسي سيتي شعروا بالاحباط، واتصل بي احدهم وحذرني بقوله: “هل انت ذاهب لتخدم في الجراج”، وقتها لم استرح لهذا الوصف للكنيسة، وأجبته: “أنا لا أستحق أن أخدم في مذود بيت لحم”.

وان كنت لا تعلم عن مدينة “جرسي سيتي” فهي مدينة مناسبة جدا للمهاجرين حديثا إلى الولايات المتحدة، وذلك لتوفر وسائل المواصلات المتعددة، وقربها من منهاتن نيويورك، وكثرة المصريين فيها والمحلات المصرية حتي أنك لا تشعر بالغربة، بل تشعر كأنك في شبرا أو في أحد مدن الصعيد. ولكن كان الأمر بالنسبة لنا مختلفا، فلم نكن من المهاجرين حديثا، بل كان انتقالنا لجرسي سيتي صدمة لأولادي وهم أطفال، لأنه لا يقبل أحد – حسب الحكمة البشرية – أن يترك أرض الجولف أو كلورادوا ليعيش في جرسي سيتي إلا لتدبير إلهي فائق للحكمة البشرية.

وكان في انتظارنا أكثر من صدمة، أولها أن مبنى الكنيسة كان متهالكا، ولم يعد تصميمه المعماري مناسبا للعدد المهول الذي تخدمه الكنيسة، ولم يكن للكنيسة أبوابا كافية للدخول والخروج، ولا حتى سلما آمنا للصعود والنزول، ولا دورات مياه مقبولة، ومن هول الصدمة قلت لقداسة البابا المتنيح بصراحة مطلقة: “حينما دخلت الكنيسة للوهلة الأولى شعرت أنني في سجن”، ولكن بنعمة الله ومحبة الشعب تم تجديد الكنيسة باللمسات المعمارية البسيطة الضرورية للخدمة بالكنيسة. عوض يارب كل من له تعب في هذا الأمر، واكتب اسمه في ملكوتك.

ولكن الصدمة الأكبر لم تكن في مجرد مباني الكنيسة بل في شعب الكنيسة، فقد كان الشعب في حالة انقسام وتشيع. وما جعل الأمور أسوأ أن بعض المسئولين في الكنيسة كانوا يروجون الدعاية للبعض ضد البعض الأخر.. ولكن شكرا للرب أنني لم أستمع لمثل هذه الأصوات فقد كان صوت روح الله أعلى من كل الأصوات، واحتضنت أبوة الله الحانية كل الأطراف… أشكرك يا إلهي على نعمة الأبوة التي احتضنت الكل حتى لا يهلك أحدا.

دعني أتخطى السنين الطويلة التي عشتها في كنيسة مارمرقس بجرسي سيتي التي اعتبرتها أمام الرب “مكان الشهادة أو الاستشهاد”. خلال هذه السنين شهد مذبح الكنيسة الدموع المسفوكة من أجل كل واحد في الكنيسة بالاسم، وبالأكثر من أجل كل المعارضين، بل ومن أجل كل المسيئين، ليكونوا أولادا مباركين للنعمة.

وكانت إستجابة الله عظيمة، فقد دعى الرب بعضا من أولاد الكنيسة للكهنوت المقدس والحياة الرهبانية، والكثيرون صاروا شمامسة وخداما مباركين بالكنيسة تفرح بهم الكنيسة. وحتي الأطفال تمتعوا بأبوة الله في الكنيسة، وارتدوا ملابس الشموسية مع أبائهم في فرح، وخرجوا ليشاركوا في القراءات الكنسية على المنجلية. والأكثر من ذلك نال الكثيرون بل الأغلبية من شباب الكنيسة درجات علمية عالية، وصارت لهم مراكز مرموقة في أعمالهم. أشكرك يا إلهي على عملك العظيم مع أبناء هذه الكنيسة.

ولكن للأسف أنه – بالرغم من كل هذه النعمة التي نحن مقيمون فيها – يرى البعض كنيسة مارمرقس بجرسي سيتي أنها “كنيسة مغطاة بجلود التخس”. ولكن ماذا عن “جلود التخس”؟ في العهد القديم كانت “جلود الكباش المحمرة وجلود التخس” هي الغطاء الخارجي لخيمة الاجتماع (خروج 25 : 5)، وذلك حسب أمر الرب: “وَتَصْنَعُ غِطَاءً لِلْخَيْمَةِ مِنْ جُلُودِ كِبَاشٍ مُحَمَّرَةٍ. وَغِطَاءً مِنْ جُلُودِ تُخَسٍ مِنْ فَوْقُ” (خروج 26 : 14)، فلم يكن منظرها من الخارج مقبولا، علاوة على أن  ”جلود التخس” كانت مأخوذة من حيوانات غير طاهرة حسب تفسير الكثيرين..

جلود التخس ترمز للظروف الخارجية المحيطة بكنيسة مارمرقس بجرسي سيتي، والتي لم تعد تروق البعض لأسباب لا تمس جوهر الكنيسة، ومنها أن الكنيسة قد أصبحت بعيدة نوعا ما عن مساكنهم التي اختاروها في أماكن أفضل بعيدا عن جرسي سيتي، وأن هناك بعض التعب من جهة انتظار السيارات، وربما لأن المباني – في وضعها الحالي – تتميز بالبساطة الشديدة بالمقارنة بالكنائس الجديدة، وربما لأنها تضم الكثيرين من المهاجرين المستجدين الذي يمثل أكثرهم “أخوة الرب” في مصر، بينما كنائس أخري تضم عائلات أكثر استقرارا ورفاهية.

وصف كنيسة مارمرقس أنها “كنيسة مغطاة بجلود التخس” أمر لا يقلل من كرامة الكنيسة ومجدها، لأنه بينما كان شكل خيمة الاجتماع غير مقبول من الخارج لأنها مغطاة بجلود التخس، كانت خيمة الاجتماع مشمولة بالاسمانجوني والقرمز والأرجوان، والذهب، وكان بداخلها ماهو أعظم من الذهب وهو حلول الله بمجده على غطاء تابوت العهد، وذلك حسب قول الرب: وَانَا اجْتَمِعُ بِكَ هُنَاكَ وَاتَكَلَّمُ مَعَكَ مِنْ عَلَى الْغِطَاءِ مِنْ بَيْنِ الْكَرُوبَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَى تَابُوتِ الشَّهَادَةِ بِكُلِّ مَا اوصِيكَ بِهِ الَى بَنِي اسْرَائِيلَ” (خروج 25 : 22)، فكل مجدها في داخلها.

السيد المسيح لم يولد في قصر هيرودس، بل في بيت لحم وسط حيوانات المذود. لا يشغلنا كثيرا القصر ولا المزود، ولا رواد القصر أو المذود، ولكن ما يهمنا هو مسيح المذود، وقد رأيته في كنيسة مارمرقس بجرسي سيتي من خلال النفوس التعبانة والمحتاجة إلي الخدمة. الكنيسة – بالنسبة للروحانيين – ليست ناديا إجتماعيا للتروح مع الأصدقاء وأولادهم، بل هي مكان لعبادة الرب، واللقاء الحقيقي مع الرب يسوع وخدمته في أشخاص التعابى والمحتاجين. وأشكر الله أن الكنيسة مملوءة دائما بمثل هؤلاء الروحانيين المباركين.

لقد جعل روح الله كنيسة مارمرقس مكانا يستريح فيه الغرباء المهاجرون حديثا، ووجدوا فيه من يحتضنهم ويقف معهم حتي تصير أمور الحياة ميسرة لهم. وصارت كنيسة مارمرقس حقلا خصبا لخدمة المسيح. فالكنيسة بدون خدمة المحتاجين هي كنيسة بدون خدمة للمسيح، وذلك حسب قوله: “بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ” (متى 25 : 40).

ومع تقديسى لكل الكنائس، أنا لست مع الشعار السائد في المهجر “كنيسة لكل مواطن قبطي”، فهذا الأمر مبالغ فيه، وهو بعيد جدا عن فكر الانجيل، ومنذ البداية لم نسمع قط عن أكثر من خيمة إجتماع – أو هيكل يهودي –  لتكون قريبة من منازل الشعب، ولكن بينما كانت هناك المجامع للصلاة وقراءة الشريعة في كل مكان، كان الرب يطلب من شعبه أن يحضر أمامه بتقدماتهم إلى موضع الخيمة أو الهيكل مهما كانوا في بلدان بعيدة، وذلك بحسب أمره: “ثَلاثَ مَرَّاتٍ فِي السَّنَةِ يَحْضُرُ جَمِيعُ ذُكُورِكَ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي المَكَانِ الذِي يَخْتَارُهُ فِي عِيدِ الفَطِيرِ وَعِيدِ الأَسَابِيعِ وَعِيدِ المَظَالِّ. وَلا يَحْضُرُوا أَمَامَ الرَّبِّ فَارِغِينَ” (تثنية 16 : 16).

لقد كانت مزامير المصاعد تعبيرا عن فرح الشعب بالصعود إلي بيت الرب قائلين: “فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: [إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ]. تَقِفُ أَرْجُلُنَا فِي أَبْوَابِكِ يَا أُورُشَلِيمُ” (مزامير 122 : 1-2). ولم تكن أورشليم في الحديقة الخلفية للمنزل بل على بعد أميال عديدة، وفي وقت كان فيه السفر شاقا على الدواب.

لقد صار هناك ما يسمى بالكنائس الغنية والكنائس الفقيرة حسب دخل أعضاؤها، ونسي البعض ما هو الغنى الحقيقي وما هو الفقر الحقيقي، كما قال بولس الرسول: “كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ. كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ” (2 كورنثوس 6 : 10)، وهكذا هو الحال في كنيسة مارمرقس بجرسي سيتي، فهي الكنيسة الفقيرة في مواردها المالية، ولكنها غنية في مجد الروح القدس، وعطاء المحبة. ونشكر الله على هذا لأنه ربما تكون الرفاهية والظروف السهلة سببا للموت، وذلك حسب قول بولس الرسول: “وَأَمَّا الْمُتَنَعِّمَةُ فَقَدْ مَاتَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ” (1 تيموثاوس 5 : 6).

وكشهادة للتاريخ أقول أنني قد اكتشفت مع مر السنين أن كنيسة مارمرقس بجرسي سيتي ليست “جراجا” و لا هي “سجنا” كما سبق وأن قلت، بل كنيسة استراح فيها روح الله، ويعمل فيها روح الله بقوة مذهلة، لأنه من البداية قد قبلنا قول الرب لزربابل: “لاَ بِالْقُدْرَةِ وَلاَ بِالْقُوَّةِ بَلْ بِرُوحِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْجَبَلُ الْعَظِيمُ؟ أَمَامَ زَرُبَّابِلَ تَصِيرُ سَهْلاً! فَيُخْرِجُ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ بَيْنَ الْهَاتِفِينَ: كَرَامَةً كَرَامَةً لَهُ” (زكريا 4 : 6-7). وهكذا خرجت الكنيسة من كل التحديات التي واجهتها بمجد عظيم يشهد لعمل الرب بروحه القدوس.

وقد جعل روح الله كنيسة مارمرقس بجرسي سيتي مكانا أمينا لتربية النشء بروح الانجيل وبعيدا عن حكمة الناس وتيارات المجتمع الأمريكي، وذلك حسب قول القديس بولس الرسول: “وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ” (1 كورنثوس 2 : 4).

واشكر الله أن “جلود التخس” التي ليس لها المنظر المقبول من الخارج، صارت فيما بعد – في سفر حزقيال – رمزا لتجميل الكنيسة باستعداد انجيل السلام، حسب قول الرب: ” وَأَلْبَسْتُكِ مُطَرَّزَةً، وَنَعَلْتُكِ بِالتُّخَسِ [أي ألبستك نعالا من التخس]، وَأَزَّرْتُكِ بِالْكَتَّانِ وَكَسَوْتُكِ بَزّاً” (حزقيال 16 : 10)، وقول بولس الرسول: “حَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ” (افسس 6 : 15). ووضع روح الله في كنيسة مارمرقس بجرسي سيتي اهتماما كبيرا لعمل فصول لدراسة الكتاب المقدس لكل الأعمار، علاوة على فصول مدارس التربية الكنسية، وصار الكثيرون تلاميذ للرب حسب وعده: “وَكُلَّ بَنِيكِ تَلاَمِيذَ الرَّبِّ وَسَلاَمَ بَنِيكِ كَثِيراً” (اشعياء 54 : 13).. كما حرصت الكنيسة علي أبراز البعد الكتابي في كل عظات وخدمات الكنيسة الطقسية والسرائرية.

وبنعمة الرب تخرج من كنيسة مارمرقس بجرسي سيتي رسالة الانجيل للعالم أجمع بالفضائيات والانترنت، لتشبع نفوس الألاف بكلمة الله، لأنه كما هو مكتوب: ” إِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ فَكَأَقْوَالِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ يَخْدِمُ أَحَدٌ فَكَأَنَّهُ مِنْ قُوَّةٍ يَمْنَحُهَا اللهُ، لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اللهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ” (1بطرس 4 : 11)، وتحقق في الكنيسة قول الكتاب أن الذين لا تسمع أصواتهم في كل الأرض خرج منطقهم (مزامير 19 : 3-4).

عندي الكثير عن هذه الكنيسة التي أحببتها من قلبي، ولقد شهد الكثيرون من الآباء الأساقفة والزائرين لعمل الرب في الكنيسة. ووراء هذا كله كانت خدمة الطيب الذكر المتنيح القمص غبريال عبد السيد سنينا طويلة لا تقل عن 23 سنة، ثم  هيأ روح الله  مع ضعفي أباء كهنة مباركين والعديد من الخدام والخادمات والشمامسة والشعب، يعزف بهم الروح القدس سيمفونية حب، تحدث بمجد الله وخلاصه في المسيح يسوع. عوض يارب بالخير كل من له تعب في الكنيسة.

بالإيمان أسمع ما يقوله السيد للرب لهذه الكنيسة العجيبة: “لأَنِّي عَرَفْتُ الأَفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ يَقُولُ الرَّبُّ أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرٍّ لأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً” (ارميا 29 : 11)… وعلى نحو ما قاله نحميا: “هَلُمَّ فَنَبْنِيَ سُورَ أُورُشَلِيمَ وَلاَ نَكُونُ بَعْدُ عَاراً” (نحميا 2 : 17).

أشكرك يا إلهي علي هذه النعمة العظيمة..

اشكرك يا إلهي على كل نفس تمتعت بالوجود في حضرتك في هذه الكنيسة..

أذكر ياإلهي كل الذين تعبوا معنا وعوضهم بالأجر السمائي..

القمص ابرام سليمان

frsleman@CopticChurch.net

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>