عمل الله في قصة الميلاد

في موسم الكريسماس نتذكر ميلاد السيد المسيح له المجد، ومعه نتذكر الحبل المعجزي والميلاد البتولي وغير ذلك من المشاهد والشهود للميلاد، وكل هذا صحيح وطبيعى ومبارك. ولكن الذي هو غير صحيح ولا طبيعي أن يغيب عن الوعي عمل الله في قصة هذا الميلاد العجيب.

ربما نسي البعض أن مولود بيت لحم هو “ابن الله” أي أن الله أبيه، وفي وسط احتفالاتنا بالمولود قد نكون قد نسينا الوالد. الله هو “أبو ربنا يسوع المسيح” (2 كورنثوس 1 : 3، 2 كورنثوس 11 : 31، افسس 1 : 3، 1 بطرس 1 : 3)، وهو الذي دبر قصة الميلاد كلها. وتم ذلك بحكمة وقوة إلهية خاصة.

بعيدا قبل الزمن، كان ميلاد الرب يسوع في فكر وتدبير الله الآب، فالمسيح منذ الأزل هو “كلمة الله” الذي كان عند الله (يوحنا 1:1، رؤيا 13:19). وقد أحب الله الآب أبنه قبل ميلاده بالجسد، بل وقبل إنشاء العالم (يوحنا 17 : 24)، واختاره ليكون حمل الله الذي “بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ” الذي “يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ” (يوحنا 1 : 29، 1 بطرس 1 : 19).

وبعد سقوط أدم وحواء في الفردوس، وعد الله حواء أن يأتي السيد المسيح من نسلها ليسحق رأس الحية (تكوين 3 : 15). وتكلم الله – بروحه القدوس – في الأنبياء ليعلن عن ميلاد السيد المسيح من عذراء (اشعياء 7 : 14، متى 1 : 23)، وعن ميلاده في بيت لحم (ميخا 5 : 2، متى 2 : 5-6)، وعن تفاصيل كثيرة من حياته.

في الوقت المناسب الذي رآه الله الآب، وفي “ملء الزمان” أرسل الله أبنه مولودا من أمرأة، وهي العذراء القديسة مريم (غلاطية 4 : 4)، فقد أرسل الله روحه القدوس وحل على العذراء القديسة مريم، وقدسها، وتم الحبل المقدس بقوته في أحشائها (لوقا 1 : 35)، وكون الجنين في بطن البتول (مزامير 139 : 13)، وحفظ الله بتولية العذراء القديسة مريم قبل وبعد ميلاد الطفل (حزقيال 44:2). وأضاء الله بمجده يوم الميلاد المجيد، وصارت الملائكة تنسب له المجد في الأعالي (لوقا 2 : 9، لوقا 2 : 14).

دعى الله اسم ابنه “يسوع” لكي يخلص شعبه من خطاياهم (متى 1 : 21)، ، وهو “ابن الله” (لوقا 1 : 35)، كما دعى اسمه “عمانوئيل” ليذكرنا بمعية الله معنا في المسيح يسوع (أشعياء 7:14، متى 1 : 23).

ارشد الله المجوس بالنجم إلى مكان الطفل المولود، وأرشدهم إلى طريق آخر في عودتهم (متى 2 : 1-12). وأرسل الله ملاكه برسالته إلى يوسف ليحفظ الطفل المولود من مذبحة هيرودس لأطفال بيت لحم (متى 2 : 16-21).

ودعي الله اسم مولود بيت لحم “عجيبا” (اشعياء 9 : 6)، ليس لأنه كان عجيبا في ميلاده فقط، بل وعجيبا أيضا في حياته أيضا. كان يسوع عجيبا في جهة حلول الله الآب فيه واتحاده مع الآب السماوي ومحبته له. الله حل بملء لاهوته في المسيح يسوع ربنا (يوحنا 14 : 10، كولوسي 2 : 9). وأعلن الرب يسوع المسيح عن اتحاده العجيب مع الله الآب وقال: “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يوحنا 10 : 30).

وهو أيضا عجيب من جهة محبة الله الآب له، ومحبته للآب. فقد شهد الله الآب بصوت مسموع من السماء أن الرب يسوع هو أبنه الحبيب (مرقس 1 : 11، لوقا 9 : 35)، كما شهد عنه أنه الابن الوارث كل شيء (مزامير 2 : 7-8، اعمال 13 : 33، عبرانيين 1 : 2،5). كما أعلن الرب يسوع عن محبته للآب: “لِيَفْهَمَ الْعَالَمُ أَنِّي أُحِبُّ الآبَ وَكَمَا أَوْصَانِي الآبُ هَكَذَا أَفْعَلُ” (يوحنا 14 : 31). وكلمنا الله في ابنه يسوع المسيح بعد أن كلم الأباء بالأنبياء بأنواع وطرق كثيرة (يوحنا 14 : 10، 24، عبرانيين 1 : 1-2).

الله مسح الرب يسوع بروحه القدوس ليبشر المساكين، ويشفي منكسري القلوب، ولينادى للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، ويرسل المنسحقين في الحرية (اشعياء 61 : 1-2، لوقا 4 : 18)، وجال الرب يسوع يصنع خيرا ويشفي المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه (أعمال 10 : 38). وكان الله الآب يعمل الأعمال في المسيح يسوع ربنا (يوحنا 14 : 10)، ولذلك قال الرب يسوع: “صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ، وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا” (يوحنا 14 : 11).

إنه أمر صحيح وطبيعي أن نتذكر ونعترف ونسبح الله الآب على عمله بروحه القدوس، بينما نحن نحتفل بميلاد أبنه ربنا يسوع المسيح. المحبة الحقيقية للمولود في بيت لحم تستلزم محبة للوالد حتى يمكننا أن نحب المولود منه، لأن “كُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضاً” (1 يوحنا 5 : 1)، ولا يمكننا أن نأتي بصدق إلى مولود بيت لحم مالم يجتذبنا الله الآب إليه (يوحنا 6 : 44).

الميلاد هو إعلان ظهور الله – الذي لم يراه أحد – في شخص الرب يسوع، مولود بيت لحم (يوحنا 1 : 18). وبذلك تم قول القديس يوحنا أن “الكلمة صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً” (يوحنا 1 : 14).

أتمنى لكم عيد ميلاد مبارك وسعيد.

Abouna Abraam Sleman

frsleman@CopticChurch.net