البابا تواضروس كما عرفته

أكتب هذا المقال – بنعمة ربنا – بمناسبة زيارة أبينا صاحب القداسة والغبطة البابا الأنبا تواضروس الثاني لأمريكا 2018، وزيارة قداسته المباركة التاريخية لكنيسة مارمرقس الرسول ومركز عمانوئيل بجرسي سيتي يوم الاثنين 24 سبتمبر 2018. وأرجو أن يكون هذا المقال المتواضع بمثابة “قارورة طيب ناردين خالص كثير الثمن” (مرقس 3:14)، نسكبها على رأس قداسته في وقت أتعابه وآلامه وأوجاعه.

في وسط ضجيج مواقع التواصل الاجتماعي، وعواصف الأخبار الكاذبة كان لابد أن يكون هناك صوت هادئ يشهد للحق، واشكر الله أنه اختار ضعفي- أنا غير المستحق –  لهذه المهمة، دون أن يطلب مني أي انسان ذلك. وأعتقد أن العالم كله يعرف من هو البابا تواضروس، ولكنني أعتقد بشدة أيضا أنني قد عرفت قداسته بصورة فريدة.

أود أن أذكر في البداية أن اسم قداسة البابا “تواضروس” يعني”عطية الله”، ويتفق في نفس المعنى مع الأسماء “ثيئودور”، و “تادرس”، و”متى”، و”نثنائيل”. ولم يكن مصادفة أن يكون اسم قداسته البابا تواضروس، بل هو ترتيب إلهي، وذلك على مثال ما قاله السيد الرب لموسى: “عَرَفْتُكَ بِاسْمِكَ” (خروج 33: 17)، كما قال لأرميا: “قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ” (ارميا 1: 5). أشكر إلهنا الصالح بأنه وهب الكنيسة في هذه الأيام راعيا صالحا، حسب وعده: “أُعْطِيكُمْ رُعَاةً حَسَبَ قَلْبِي فَيَرْعُونَكُمْ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْفَهْمِ” (ارميا 3: 15).

كنت قد طلبت من الآباء الكهنة في نيوجرسي أن يشاركوني في التعبير عن مشاعرهم بخصوص زيارة قداسة البابا، ولقاءهم معه لمدة تزيد عن ثلاثة ساعات، ووصلني العديد من تعليقاتهم، وسأذكر البعض منها، حتى يتأكد الجميع أن ما سأكتبه ليس مجرد مشاعر شخصية بل يشاركني فيها كل كهنة نيوجرسي، بل – بثقة أقول – إن هذه أيضا مشاعر كل كهنة وشعب الكنيسة القبطية في الداخل والخارج.

كتب القس بيتر روفائيل: [هذا هو لسان حالي أنا وأسرتي: قداسة البابا غمرنا بمحبته الفياضة وشخصيتة التي أسرت قلوبنا]. كما كتب القس بيشوي لمعي: [الدروس المستفادة من زياره قداسة البابا تاوضروس الثاني:

1-      درس النظام: كيف أن قداسته طلب جدول كل لقاء. لأنه يريد أن يعد نفسه لتحضير الاجتماع.

2-      درس ربط الموضوعات الروحية والكتابية بالليتورجيا: وهذا كان واضح في كل كلمات قداسته..

3-      درس رعوى: الاهتمام بإجابة كل سؤال ودراسة كل اقتراح، والتحقق من المواضيع وليس فقط الاستماع، وهو يريد أن الكل يعمل في حقل الله، ودائما يتكلم عن الرعية واننا – ككهنة - نكون مثالا لهم.

4-      يضع مثلا لنا نحن الكهنة أنه برغم أتعابه إلا أنه يعمل ويستمع حتى النهاية].

        أرجو من الله أن يوفقني لأعبر عن بعض الجوانب التي لمستها من عمل الله في قداسته. كما أرجو أن يكون هذا المقال سبب بركة لقارئيه نحو معرفة قداسة البابا بصورة أفضل، والتعلم من حياة قداسته، وأن يراجع الذين ليس لهم هذه الرؤية أنفسهم، لبركة حياتهم، حتى نكون رعية واحدة وراع واحد في شخص ربنا يسوع المسيح تحت رئاسة قداسته.

البابا صورة منظورة لأبوة الله

الذين تعاملوا مع قداسة البابا عن قرب لمسوا فيه الأبوة الغامرة. فقد شاهدت ولمست معاملاته مع الجميع، بلمسات أبوة حانية، وقلب متسع، وقبول للجميع حتى للمخطئين. هذه الأبوة مستمدة من أبوة الله الآب “الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ [الذي منه كل أبوة] فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ” (افسس 3: 14-15). ورأينا في قداسة البابا صورة حية منظورة لأبوة الله الآب، على مثال إعلان أبوة الله الآب في شخص ربنا يسوع المسيح.

كتب القس لوقا هيرمينا: [يستحق قداسة البابا تاوضروس لقب "الراعي الصالح" مقتديا بالسيد المسيح راعي نفوسنا وأسقفها، فهو:

1-  يعرف خرافه بأسمائها: رأينا وأحسسنا بهذه الموهبة التي لقداسته، فكان يذكر من قابلهم في ملتقي الشباب العالمي الأول بمصر، بمجرد أن يراهم، كان يناديهم بأسمائهم... وهكذا كل من كان يراه ويتقابل معه، يعرفه ويحفظه باسمه.

2-  يبذل نفسه: رأينا مقدار المجهود غير العادي الذي فوق الطاقة الذي بذله قداسة البابا، مسنودا بالنعمة الإلهية في القداسات اليومية، والعظات في القداسات، ولقاءات بعدها، وزيارات خاصه، ووضع أحجار أساس في مناطق مختلفة، ومنح البركة والهدايا الشخصية، وأخذ الصور التذكارية مع الآف الحاضرين، رغم الآلام المبرحة التي يعاني منها قداسته.

3-  يعرف خاصته: بمعنى أنه يعرف احتياجات شعبه الروحية والنفسية وأيضا الفكرية، ويشبعها عن طريق التعليم، واللمسات الشخصية، وأحيانا ببعض التعليقات الفكاهية الجذابة في نظام وجدية ووقار,

4-  خاصته تعرفه: في هذه الزيارة لقداسته في منطقة الساحل الشمالي الشرقي لأمريكا نجح قداسته في أن يصل إلى قلب الكثيرين عندما تعاملوا مع قداسته عن قرب- ولو للحظات قليلة - كانت كافية للوصول إلى أعماق قلوبهم.

5-  يضع نفسه عن الخراف: في ملء المحبة الكاملة، رأينا في قداسته طول أناة وصبر واحتمال قداسته، وكيف كان قداسته يبذل كل دقيقة في رحلته الرعوية لأجل خرافه، في أسفار كثيرة، وفي افتقاد بطرق متنوعة، وفي الإصغاء لأسئلة الرعية بقلب متسع بلا جدران].

6-  خرافه تسمع صوته: بقي علينا أن نصغي السمع كخراف لصوت راعينا الحبيب، ونقدم لقداسته كل الحب والطاعة والخضوع فيما يراه مناسبا لصالح خرافه، حتى ننال بركة السماء والأرض.

كتب القمص روفائيل عزمي: [قلوبنا ذابت حبا في قداسة البابا بهذه الزيارة المباركة، وشعرنا ان لنا اب حنين وطيب ويحب أولاده. شعرنا أننا يتامى بعد رحيل قداسة البابا شنودة وقبل اختيار السماء لقداسة البابا تاوضروس الثاني، ولكننا نشعر اليوم ان لنا أب طيب حنون، ويراعي مشاعر أولاده... جميع الآباء الكهنة يشفقون علي باباهم ويشعرون بأبوة قداسته ومستعدون ان يموتوا من أجله. ونصلي الي الله ان يحفظه للكنيسة وللشعب المحب لقداسته].

كتب القمص أتطوني باسيلي: [في هذه الرحلة الرعوية - وبرغم المجهود المضني والساعات الطويلة واللقاءات العديدة والجدول المشحون - حرص قداسة البابا في زيارته التاريخية ان يلتقي بشعوب كنائس كثيرة في نيوجيرسي، يمنح كل واحد وكل واحدة البركة الرسولية.

وقد تركت هذه الرحلة آثارا رائعة في نفوس من التقوا بقداسته فراوا فيه البابا المحب، المفرح، البسيط، المتضع، المنفتح، الواضح، الشجاع، الإنسان، المعلم.. 

قداسة البابا يهتم بالكبير والصغير، بالكاهن والعلماني، بالرجل والمرأة، بالغني والفقير، بالمثقف والبسيط، بالمسؤولين من الأقباط وغيرهم. ويعطي للكل وقتا واهتماما.  وتحقق فيه قول الرب: "من عمل وعلم فهذا يدعي عظيما"

علم البابا عن رائحة المسيح رسالة حب مقروءة، طيب مسكوب، رائحة زكية، سفير السماء وسفير الوطن الحبيب مصر ... هكذا رأينا بأعيننا ونشهد]

وقد شاهدنا ولمسنا فرحة قلب قداسة البابا وأبوته الغامرة للأطفال وهو يحتضنهم، وأيضا وهو يزرع شجرة تذكارا لزيارته في كنيسة مارمرقس وعمانوئيل سنتر، ومعه عمدة مدينة جرسي سيتي، وحوله بعض أطفال الكنيسة يشتركون مع قداسته في ري الشجرة بالمياه. هذه جعلني أفكر كثير في كيف اجتمعت عظمة أبوة قداسة البابا مع بساطة القلب. وهذا بلا شك من عمل الروح القدس الرائع في قداسته.

البابا فردوس مملوء بثمر الروح

بعد زيارة قداسة البابا لكنيسة مارمرقس الرسول بجرسي سيتي يوم 24 سبتمبر سألتني أخت مباركة: “ما هي أحلى كلمة سمعتها من قداسته؟. فأجبتها: “ابتسامته”. فقد كان قداسة البابا مبتسما متهللا طوال اليوم بالرغم من إجهاده وأوجاعه الصحية.

ابتسامة قداسة البابا البريئة تسبيني، وقلبه المملوء بالفرح – بالرغم من آلامه وأوجاعه الصحية – جلب إلى ذاكرتي ومخيلتي صورة الرب يسوع، حينما قال عنه الإنجيلي: “وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَهَلَّلَ يَسُوعُ بِالرُّوحِ وَقَالَ: «أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هَذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ. نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ لأَنْ هَكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ (لوقا 10: 21).

أتذكر في يوم القرعة الإلهية وإعلان اختيار السماء لقداسة البابا الأنبا تواضروس، اتصلت بصاحب النيافة الأنبا باخوميوس لأهنئه وأشكره على تعبه، فقال لي: “الأنبا تاوضروس شخصية مفرحة”. وهذا حقا ما شعر به كل الذين رأوه ولمسوه ونالوا بركته.

أري في قداسة البابا الأنبا تواضروس الثاني فردوس مملوءا بثمر الروح القدس. ولعل المتابع لزيارات قداسة البابا قد لمس أن أحد الألحان المتميزة التي رددها الشمامسة خلال زيارات قداسة البابا للكنائس هو “لحن الاثنتا عشرة فضيلة”. في هذا اللحن ينشد المرتلون: [الاثنتا عشرة فضيلة التي للروح القدس المكتوبة في الكتب المقدسة وهذه اسماؤها: الأولي المحبــة، الثانية الرجــاء، الثالثة الأيمــان، الرابعة الطــهارة، الخامسة البتــولية، السادسة الســلام، السابعة الحكمــة، الثامنة الــبر، التاسعة الوداعــة، العاشرة الصــبر، الحادية عشر طـول الـروح، الثانية عشر النــسك]. ويتخلل هذا اللحن المرد: [تحل على رأس أبينا القديس رئيس الكهنة، البابا أنبا تواضروس الثاني].

ينشد الشمامسة هذا اللحن في حضور قداسة البابا حسب طقس وترتيب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والقصد من ذلك ليس مجاملة قداسة البابا، بل الصلاة من أجله لكي يزينه الله بكل فضائل وثمر الروح المذكورة في الكتب المقدسة. ولكن هذا اللحن يأخذ بعدا آخر في أعماقي، فهو ليس أيضا مجرد صلاة لأجل قداسته، بل هو تمجيد لله الآب في يسوع المسيج الذي زين قداسته بهذه الفضائل بعمل الروح القدس.

نمجد إلهنا الصالح من أجل قداسة البابا تواضروس الذي رأينا فيه مثالا حيا لما كتبه القديس بولس الرسول: “وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ” (غلاطية 5: 22-23)، لأنَّ “ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرٍّ وَحَقٍّ” (افسس 5: 9).

إلى كل نفس متزينة بعمل الروح القدس، وعلى رأسهم – في جيلنا الحاضر – قداسة البابا تواضروس الثاني، يقول الوحي المقدس: مَنْ هَذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ كَأَعْمِدَةٍ مِنْ دُخَانٍ مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ؟ (نشيد الانشاد 3: 6)، “أَغْرَاسُكِ فِرْدَوْسُ رُمَّانٍ مَعَ أَثْمَارٍ نَفِيسَةٍ فَاغِيَةٍ وَنَارِدِينٍ. نَارِدِينٍ وَكُرْكُمٍ. قَصَبِ الذَّرِيرَةِ وَقِرْفَةٍ مَعَ كُلِّ عُودِ اللُّبَانِ. مُرٌّ وَعُودٌ مَعَ كُلِّ أَنْفَسِ الأَطْيَابِ” (نشيد الانشاد 4: 13-14).

 البابا أيقونة حية للمحبة الأرثوذكسية الجامعة

قداسة البابا تواضروس الثاني هو أيقونة حية للأب البطريرك الذي يمتلئ قلبه بمحبة لكل الناس والكنائس باختلاف طوائفهم وجنسيتهم وعقائدهم، مع تمسكه بجوهر الأرثوذكسية كعقيدة وكسيرة.

في كل العالم نري أن قداسة البابا مثالا رائعا للشخصية التي تسعى للوحدة. وهذا واضح جدا في علاقات ومقابلات قداسة البابا مع رؤساء وقادة الكنائس في العالم كله، وزياراته لهذه الكنائس، وكلها تشهد بقوة أنه شخصية عظيمة جامعة Great Unifying Figure، يعمل بإخلاص من أجل الوحدة المسيحية.

لا شك أن مشيئة ومسرة قلب البابا نحو الوحدة تتفق تماما مع مشيئة ومسرة قلب الله الآب السماوي نحو الوحدة على نحو ما كتبه القديس بولس الرسول: “[الله الآب] إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ،  لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ [أي في المسيح]” (افسس 1: 9-10).

أشعر أن روح الله القدوس قد ملأ قلب قداسة البابا باشتياقات قلب المسيح لوحدة المؤمنين. واستطيع القول أن قداسة البابا تاوضروس الثاني له قلب مثل قلب السيد المسيح الذي صلي لله الآب من أجل الوحدة، ومات من أجلها.

في صلاة الرب يسوع لله الآب ليلة آلامه وموته على الصليب المقدس قال: أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا نَحْنُ (يوحنا 17: 11)، “وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هَؤُلاَءِ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكلاَمِهِمْ لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِداً كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي (يوحنا 17: 20-23).

وقد مات السيد المسيح ” لَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ اللَّهِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ” (يوحنا 11: 52)، “لأَنَّهُ فِيهِ [في المسيح] سُرَّ [الله الآب] انْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا عَلَى الأَرْضِ امْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ (كولوسي 1: 19-20).

الجميع يشهدون أن ترتيب رحلة قداسة البابا، وما تم أثناء زيارة قداسته كان مثالا رائعا لما يمكن عمله عندما نتحد معا. لمدة حوالي سنتين تكونت لجنة لترتيب زيارة قداسة البابا في مقر الرئاسة الكنسية بسيدر جروف ولجنة أخري بايبارشية نيويورك ونيو انجلاند، ولجان فرعية مكونة من اباء كهنة وعلمانيين، وعملت هذه اللجان كفريق واحد في تناغم برئاسة قداسة البابا، وتحت ارشاد صاحبي النيافة الأنبا دافيد والأنبا كاراس.

خلال هذه الأسابيع الثلاثة الماضية رأينا ثمرة هذا العمل الواحد بمباركة قداسة البابا لكثير من الكنائس والمواقع، ورأينا كل شيء جميل ومنظم ولرائع. شاهدنا أيضا الاجتماع العام الذي تم في استاد جامعة راتجرز Rutgers Atheletic Center   الذي حضره الآلاف من الشعب القبطي والعديد من القادة الكنائس والمسئولين، وكان الاجتماع الاول من نوعه في تاريخ الكنيسة القبطية بالمهجر. هذا الاجتماع شهد بقوة على شخصية محبة قداسة البابا الجامعة وتضامن الشعب القبطي معه.

وكان لزيارة قداسة البابا تأثير رائع على كل المستويات، ولكنني فقط أردت التركيز من جهة وحدة الكنائس. فقد أثرت زيارته علينا جميعا، بقلبه الواسع وابوته الغامرة. فقد جمع في حضنه وبابتسامته الرائعة الرسميين ورؤساء وقادة الكنائس والكهنة والعلمانيين والذين نشأوا هنا، والقادمين حديثا من مصر، والمولودين في الكنيسة القبطية، والذين انضموا للكنيسة.

هذا التأثير الرائع أعطانا فرصة أن نكون متحدين ونمضي قدما في مسيرة الوحدة، ونقترب من بعضنا بعضا حول أبينا الروحي قداسة البابا. وفي كل هذا، كانت شخصية قداسة البابا إلهاما ومثالا لوحدة الكنيسة التي نحن في أشد الحاجة لها.

في السنوات القليلة الماضية، أظهر البعض معارضة لقداسة البابا في سعيه للوحدة الكنسية بسبب ما يعتقدون أنه غيرة على الأرثوذكسية. ولكنها في حقيقة الأمر تحمل في طياتها عدم الشعور المخلص باشتياقات قلب الله الآب والرب يسوع وقداسة البابا.

كما أن هذه المعارضة – للأسف – تحمل غيرة ولكنها ليست حسب المعرفة، كما كتب بولس الرسول عن شعب إسرائيل: “أَيُّهَا الإِخْوَةُ إِنَّ مَسَرَّةَ قَلْبِي وَطَلبَتِي إِلَى اللهِ لأَجْلِ إِسْرَائِيلَ هِيَ لِلْخَلاَصِ. لأَنِّي أَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّ لَهُمْ غَيْرَةً لِلَّهِ وَلَكِنْ لَيْسَ حَسَبَ الْمَعْرِفَةِ” (رومية 10: 1-2).

هذه المعارضة لمساعي الوحدة المسيحية – بمحاولة الاستناد للبعض النصوص الكتابية، أو أقوال بعض الآباء- تدل على عدم فهم النصوص الأصلية للعهد الجديد باللغة اليونانية، وتدل أيضا على استعانتهم فقط ببعض المراجع العربية التي تم كتابتها بعد دخول الإسلام إلي مصر، دون الرجوع إلى أقوال الأباء الأولين Early Church Fathers. الأمثلة في هذا الصدد كثيرة، ولكن الوقت لا يسع لذكرها الآن.

الأرثوذكسية – في فكر الكتاب المقدس – تتضمن شرح كلمة الحق بطريقة أرثوذكسية أي “باستقامة” حسب تعبير القديس بولس الرسول:: “أجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ ِللهِ مُزَكّىً، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاِسْتِقَامَةِ” (2 تيموثاوس 2: 15).

للأسف يوجد خلط كثير في المفاهيم السائدة في عصرنا الحاضر، حتى في ذهن بعض الدارسين. البعض يخلط بين ما يدعونه “حماية الايمان” مع ما ورد في (فيلبي 17:1) عن “حماية الانجيل”. ويستخدمون النص للتحزب، مع أنه مكتوب أصلا ضد التحزب: “فَهَؤُلاَءِ عَنْ تَحَزُّبٍ يُنَادُونَ بِالْمَسِيحِ لاَ عَنْ إِخْلاَصٍ، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَى وُثُقِي ضِيقاً. وَأُولَئِكَ عَنْ مَحَبَّةٍ، عَالِمِينَ أَنِّي مَوْضُوعٌ لِحِمَايَةِ الإِنْجِيلِ [الانجيل هو الأخبار السارة أن الرب يسوع جاء في الجسد وتألم ومات وقام من الموات وجلس عن يمين الآب] (فيلبي 1: 16-17).

كما يخلط البعض بين الايمان والعقيدة والتعليم والتقليد المقدس مع التقليد البشري، وفي وسط هذا الخلط يدافعون على عن التقاليد البشرية باعتبارها التقليد المقدس، فيقدسون ما هو يبطل وصية الله، دون أن يدرون. أرجو من هؤلاء أن يراجعوا أنفسهم في ضوء ما جاء عن الكتبة والفريسيين مع الرب يسوع: “جَاءَ إِلَى يَسُوعَ كَتَبَةٌ وَفَرِّيسِيُّونَ الَّذِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: لِمَاذَا يَتَعَدَّى تَلاَمِيذُكَ تَقْلِيدَ الشُّيُوخِ …  فَأَجَابَ: وَأَنْتُمْ أَيْضاً لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ؟ …  فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ! يَا مُرَاؤُونَ! حَسَناً تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هَذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ وَيُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيداً. وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ».  ثُمَّ دَعَا الْجَمْعَ وَقَالَ لَهُمُ: اسْمَعُوا وَافْهَمُوا” (متى 15: 1-10).

وبينما هم يتكلمون عن “الايمان المسلم مرة للقديسين” (يهوذا 1: 3)، نسوا أن هذا الإيمان “المسلم مرة للقديسين” هو “إيمان يسوع المسيح” الذي كتب عنه القديس بولس الرسول: “إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ faith of Jesus Christ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضاً بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ faith in Jesus Christ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ faith of Jesus Christلاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا (غلاطية 2: 16)، “نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ…” (عبرانيين 12: 2).

الأرثوذكسية تتطلب أيضا السلوك بطريقة أرثوذكسية أي “السلوك باستقامة” حسب تعبير القديس بولس الرسول في (غلاطية 2 : 14)، وأن يكون “كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ” (1 كورنثوس 14: 40).

مهاجمة قداسة البابا – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – بحجة الدفاع عن الأرثوذكسية هو سلوك غير ارثوذكسي، وعمل غير مسئول، وقد سبب عثرة لكثيرين، وهو يستحق اللوم مثلما فعل القديس بولس مع بطرس وبرنا، وقاومه مواجهة “لأنه كان ملوما” (غلاطية 2: 11-14). وهل يتصورون أنفسهم أكثر غيرة على الأرثوذكسية من قداسة البابا؟

هؤلاء الذين يعارضون قداسة البابا في مسيرته نحو الوحدة المسيحية يجب ان يعلموا أنهم أمام مسئولية خطيرة أمام الرب، وعليهم أن يراجعوا أنفسهم، لأن ” مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ (متى 12 : 30، لوقا 11 : 23).

من واجبنا – كشعب مسيحي مخلص لتعاليم الله في المسيح ومحب للكنيسة ولقداسة البابا – ألا نسمع لهؤلاء، ونبتعد عنهم، حسب قول القديس بولس الرسول: “وَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تُلاَحِظُوا الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الشِّقَاقَاتِ وَالْعَثَرَاتِ خِلاَفاً لِلتَّعْلِيمِ الَّذِي تَعَلَّمْتُمُوهُ وَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ (رومية 16: 17).

 البابا جبار البأس

علاوة على هجوم المعارضين للوحدة المسيحية في داخل الكنيسة، واجه قداسة البابا الكثير من الآلام والضيقات، مثل الهجوم عل الكاتدرائية، وتفجيرات الكنائس، وحرق الكنائس، واستشهاد الكثير من أبنائه وبناته، وقتل نيافة الأنبا أبيفانيوس، ولكنه في كل هذا لم يهتز، ورأيناه جبار بأس مستندا على قوة الله العاملة فيه (نشيد الانشاد 8: 5).

في مواجهة ريح هذه الضيقات والآلام فاحت من قداسة البابا رائحة المسيح الذكية، كما جاء في سفر نشيد الأناشيد: “اِسْتَيْقِظِي يَا رِيحَ الشَّمَالِ وَتَعَالَيْ يَا رِيحَ الْجَنُوبِ! هَبِّي عَلَى جَنَّتِي فَتَقْطُرَ أَطْيَابُهَا. لِيَأْتِ حَبِيبِي إِلَى جَنَّتِهِ وَيَأْكُلْ ثَمَرَهُ النَّفِيسَ” (نشيد الانشاد 4: 16).

إزاء هذه التيارات أهدي لأبي قداسة البابا الأنبا تواضروس الثاني كلمات السيد الرب: “الرَّبُّ مَعَكَ يَا جَبَّارَ الْبَأْسِ (قضاة 6: 12)، “هَئَنَذَا قَدْ جَعَلْتُكَ الْيَوْمَ مَدِينَةً حَصِينَةً وَعَمُودَ حَدِيدٍ وَأَسْوَارَ نُحَاسٍ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ لِمُلُوكِ يَهُوذَا وَلِرُؤَسَائِهَا وَلِكَهَنَتِهَا وَلِشَعْبِ الأَرْضِ. فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ لأَنِّي أَنَا مَعَكَ يَقُولُ الرَّبُّ لأُنْقِذَكَ” (ارميا 1: 18-19).

عندي الكثير لأكتبه بنعمة ربنا عن أبينا قداسة البابا الأنبا تواضروس الثاني، ولكنني أكتفي بهذا القدر. الرب يحفظ حياة قداسته سنينا عديدة ذخرا للكنيسة.

القمص أبرام سليمان

كنيسة مارمرقس الرسول ومركز عمانوئيل

جرسي سيتي نيوجرسي – الولايات المتحدة الأمريكية

frsleman@CopticChurch.net