فرح الآب في الميلاد

الملفت للنظر – هذا العام – أن مظاهر الاحتفال والبهجة بالكريسماس قد تعدت حدود الغرب وامتدت حتى إلى الدول غير المسيحية. لكن لعل هذه المظاهر تكون خطوة في طريق معرفة فرح الميلاد الذي يفوق كل مظاهر وطقوس الاحتفال، ومصدر هذا الفرح.

في يوم ميلاد ربنا يسوع المسيح أشرق نور مجد الله ودخل إلى العالم فرح عظيم، حسب ما ورد في قصة ظهور الملائكة للرعاة: “وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ فَخَافُوا خَوْفاً عَظِيماً. فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافُوا. فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ” (لوقا 2: 9-11).

رمزية عيد المظال

إذا أردنا أن نبحث في العهد القديم عن مناسبة ترمز وتشرح لنا معنى الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، ربما يكون الاحتفال المبهج بعيد المظال [Feast of Tabernacles عيد الخيام] رمزا واضحا للاحتفال ومعنى عيد ميلاد السيد المسيح. 

يعتبر عيد المظال أحد أعياد الحج اليهودية الثلاثة [الفصح والبنطيقستي والمظال]، ويقع بين يومي 15 تشري ويوم 24 تشري (في السنة العبرية) أي خلال أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر. والاحتفال بعيد المظال يستمر لمدة 8 أيام، ويسكنون خلالها في مظال [Tabernacles خيام] مصنوعة من سعف النخل وأغصان الأشجار.

كان الهدف من الاحتفال بعيد المظال هو أن تعلم الأجيال أن الرب قد أسكن شعب إسرائيل في خيام في البرية، بعد خروجهم من مصر، إلى أن وصلوا إلى كنعان (لاويين 23: 33-43).

“عيد المظال” رمز واضح لميلاد السيد المسيح من حيث السكن في الخيام في البرية. وفي العهد الجديد حل المسيح فينا، وذلك حسب كلام القديس يوحنا “الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مملوءا نِعْمَةً وَحَقّاً” (يوحنا 1: 14). وتعبير “حل بيننا ἐσκήνωσε ἐν ἡμῖν” الذي استخدمه القديس يوحنا يعني في أصله اليوناني “نصب خيمته في وسطنا”.

فميلاد المسيح وهبنا رجاء المجد، إذ ونحن نعيش الآن في خيمتنا الأرضية وكأننا في البرية، نتوق إلى أن خلع خيمتنا الأرضية ونستوطن عند الرب في بيتنا الأبدي (2 كورنثوس ٥: ١).

كانت مظاهر عيد المظال وطقوسه – عند اليهود – ترمز بوضوح إلى عيد مجيء المسيَّا، وقد تحققت بالفعل بمجيء ربنا يسوع المسيح.

ففي هذا العيد كان الكاهن يأتي بمياه من بركة سلوام ["بركة المُرْسَل" أي "بركة المسيَّا"] للهيكل في اليوم الأخير من العيد، إشارة أنه في مجيء المسيح ستكون معرفة الله مثل المياه التي تغطي كل الأرض، حسب ما ورد في سفر إشعياء النبي: “لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ” (إشعياء 11: 9)، وحسب ما ورد في (إرميا 31: 34).

وقد تحقق ذلك بالفعل في شخص السيد المسيح، وأعلن الرب يسوع بنفسه – في عيد المظال – أنه هو المسيَّا، بشهادة القديس يوحنا: “وَفِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ الْعَظِيمِ مِنَ الْعِيدِ [عيد المظال] وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى: إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ الْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ” (يوحنا 7: 37-38).

في هذا العيد أيضا، كان الشعب يضيء شعلات نارية في اليوم الأخير ويضعونها حول أسوار الهيكل إشارة أن المسيَّا في مجيئه سيكون نورا للعالم، حسب ما ورد في إشعياء النبي أن سيكون “عَهْداً لِلشَّعْبِ وَنُوراً لِلأُمَمِ” (اشعياء 42: 6)، حتى يصل خلاص الله “إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (اشعياء 49: 6)، وحسب نبوءة ملاخي النبي: “وَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا” (ملاخي 4: 2).

وفي اليوم التالي من عيد المظال، وبينما كنت الشعلات مضيئة، كلمهم الرب يسوع قائلا: “أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ، بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ” (يوحنا 8: 12)، وكتب القديس متى الإنجيلي قائلا: “الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ” (متى 4: 16).

فرح الآب السماوي

الفرح بميلاد الرب يسوع يتعدى حدود الفرح بالمشاهد المنظورة لأحداث الميلاد، ويزداد – بالروح القدس فينا – حتى يصل إلى شركة مع قلب الله الآب نفسه في أفراحه بميلاد ابنه ربنا يسوع المسيح، لأنشَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1 يوحنا 1: 3).

الله روح (يوحنا 24:4)، وليس مجرد قوة صماء لا مشاعر لها، بل هو الله الحي فهو “الرَّبُّ [يهوه] الإِلَهُ… هُوَ إِلَهٌ حَيٌّ وَمَلِكٌ أَبَدِيٌّ” (ارميا 10: 10)، وكثير من آيات الكتاب المقدس تصفه وهو يفرح ويحزن كما في (إشعياء 62: 5، تكوين 6: 6). وفي الرسالة إلى تيموثاؤس، يصف القديس بولس الرسول الربَّ بأنه “اللهِ الْمُبَارَكِ Μακαρίου” وأيضا هو “الله الفرحان”، وذلك بحسب الأصل اليوناني (1تيموثاوس 1: 11).

(1) فرح الآب بمبلاد ابنه

يوم ميلاد الرب يسوع هو يوم فرح عظيم للآب السماوي لأنه أبو الطفل المولود في بيت لحم. الآب السماوي هو “أبو ربنا يسوع المسيح” (2 كورنثوس 1: 3، 2 كورنثوس 11: 31، افسس 1: 3، 1 بطرس 1: 3). الآب السماوي يفرح بميلاد الرب يسوع لأنه ابنه الوحيد الجنس الكائن في حضنه الأبوي كل حين (يوحنا 1: 18).

مولود بيت لحم هو الابن الحبيب الذي هو سبب سرور وفرح قلب الآب (متى 3: 17، لوقا 9: 35). وهو الابن الذي أحب الآب السماوي وقال عن نفسه: “لِيَفْهَمَ الْعَالَمُ أَنِّي أُحِبُّ الآبَ وَكَمَا أَوْصَانِي الآبُ هَكَذَا أَفْعَلُ” (يوحنا 14: 31). وهو الابن الذي “أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ” (فيلبي 2: 7-8).

في عيد الميلاد المجيد نشترك مع الآب السماوي في فرحه بميلاد ابنه. فموضوع الاحتفال بعيد الميلاد المجيد هو الفرح بعطية الآب السماوي لنا بميلاد ربنا يسوع المسيح، حسب وعده: “وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ” (إشعياء 7: 14)، وتحقيق ذلك الوعد حسب ما ورد في (متى 1: 22-23).

كل قراءأت وألحان وطقوس شهر كيهك وعيد الميلاد – في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – تجذب الإنتباه وترفع القلب نحو الفرح مع الآب السماوي بولادة إبنه، والإيمان بالرب يسوع أنه “المسيح إبن الله الحي”، فيكون لنا حياة بإسمه (يوحنا 31:20)، ويحل المسيح بالإيمان في قلوبنا (أفسس 17:3).

المحبة الحقيقية لله الآب تستلزم محبة ربنا يسوع المسيح بالحياة حسب وصاياه، لأن “كُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضاً” (1 يوحنا 5: 1)، والذي عنده وصايا الابن ويحفظها هو الذي يحب الابن (يوحنا 14: 21)، ولا يمكننا أن نأتي بصدق إلى مولود بيت لحم مالم يجتذبنا الآب إليه (يوحنا 6: 44).

(2) فرح الآب بتحقيق خطته

الآب السماوي يفرح بتحقيق خططه التي رسمها منذ الأزل. فهو يقول عن نفسه في إشعياء النبي: “أَنَا اللَّهُ وَلَيْسَ آخَرُ. الإِلَهُ وَلَيْسَ مِثْلِي. مُخْبِرٌ مُنْذُ الْبَدْءِ بِالأَخِيرِ [وقد أنبأت ما يحدث في النهاية منذ البدء]، وَمُنْذُ الْقَدِيمِ بِمَا لَمْ يُفْعَلْ [أي: وأخبرت منذ القدم بأمور لم تكن قد حدثت بعد]، قَائِلاً: رَأْيِي يَقُومُ [أي: مقاصدي لابد أن تكون]، وَأَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِي [أي: أعمل كُلَّ ما يفرح قلبي]” (إشعياء 46: 9-10).

يوم ميلاد الرب يسوع هو يوم فرح عظيم للآب السماوي، لأنه فيه قد تحققت خطته الأزلية لمجيء السيد المسيح.

قبل الزمن، وقبل إنشاء العالم، كان مولود بيت لحم هو كلمة الله الأزلي، والذي كان مع الله في البدء (يوحنا 1:1، رؤيا 19: 13). وأحب الله الآب أبنه قبل تأسيس العالم (يوحنا 17: 24)، واختاره ليكون حمل الله الذي “بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ” لكي “يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ” (يوحنا 1: 29، 1 بطرس 1: 19)، “كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ [أي: الآب السماوي اختارنا في المسيح يسوع ربنا] قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ” (أفسس 1: 4).

وأعلن الله من البدء عن خطته الأزلية لمجيء السيد المسيح. وبعد السقوط وعد الله حواء أن يأتي المسيح من نسلها ليسحق رأس الحية (تكوين 3: 15). وأعلن الآب السماوي – من خلال الأنبياء – عن ميلاد المسيح من عذراء (إشعياء 7: 14، متى 1: 23)، وعن مكان ميلاده في بيت لحم (ميخا 5: 2، متى 2: 5-6)، وغير ذلك كثير.

وتحققت خطة الله أن “الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً” (يوحنا 1: 14)، و” لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ” (غلاطية 4: 4-5).

وتحقق كل ما أنبأ به الله منذ القدم عن ميلاد السيد المسيح ومكان ميلاده وكل الأحداث التي صاحبت ميلاده. ومثال لذلك، حينما جمع هيرودس كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم: “أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟” فقالوا له بكل وضوح: “فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ لأَنَّهُ هَكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ” (متى 2: 4-6)، وقد اقتبسوا ذلك مما سبق أن أوحى به الله لميخا النبي في (ميخا 2:5).

في عيد الميلاد نشترك مع الآب السماوي في فرحه بتحقيق خطته الأزلية بميلاد ربنا يسوع المسيح الذي هو “فوق الزمان”.

ولذلك نجد أن طقوس الكنيسة وترتيبها في عيد الميلاد لا تركز على تاريخ يوم ميلاد الرب يسوع. لأن خطة الميلاد كانت منذ الأزل، وزمن ميلاد ربنا يسوع المسيح – بالنسبة للكنيسة – هو “ملء الزمان” (غلاطية 4: 4)، وهو “آخر الأيام” بحسب تعبير ميخا النبي (ميخا 4: 1)، ونص القداس الإلهي.

ولذلك، نلاحظ أنه في ليلة عيد الميلاد تقرأ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الإنجيل الخاص بزيارة المجوس، وليس إنجيل ظهور الملائكة وزيارة الرعاة الذي تم يوم ميلاد السيد المسيح، والهدف من ذلك ليس فقط لإعلان طبيعة السيد المسيح – التي تمثلها هدايا المجوس – بل أيضا لتعلن أن مسيحنا هو فوق الزمان، لأن كما هو معروف أن زيارة المجوس تمت بعد حوالي سنتين من ميلاد الرب يسوع. أما إنجيل زيارة الرعاة فتقرأه الكنيسة في برمون عيد الميلاد.

رسالة القراءات – في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – واضحة جدا تقديم شخص المولود وطبيعته – ربنا يسوع المسيح – الذي هو “فوق الزمان” كلمة الله الأزلي والحي في كل حين إلى الأبد (يوحنا 1:1، عبرانيين 7: 25).

كل قداس إلهي هو عمل إلهي سماوي لا يخضع للزمن. وهو أيضا احتفال حي بميلاد الرب يسوع وموته وقيامته وصعوده إلى السماوات وجلوسه عن يمين الآب، بل هو أيضا احتفال بمجيئه الثاني المملوء مجدا، وذلك بالشركة الحقيقية في جسد ودم ربنا يسوع المسيح (1 كورنثوس 16:10).

نصوص وطقوس القداس الإلهي تشرح لنا هذا المعني في أكثر من موضع، ومن ذلك ماورد في القداس الغريغوري: “فإذا يا سيدنا فيما نحن نصنع ذكر نزولك على الأرض [أي تذكار ميلاد الرب يسوع]، وموتك المحيي، وقبرك ثلاثة أيام، وقيامتك من الأموات، وصعودك إلى السماوات، وجلوسك عن يمين أبيك، وظهورك الثاني الآتي من السماوات، المخوف المملوء مجدا، نقرب لك قرابينك من الذي لك على كل حال، ومن أجل كل حال وفي كل حال”.

(3) فرح الآب بعمله في الميلاد

الآب السماوي يفرح أيضا بكل أعماله. فقد جاء في المزمور: “ يَكُونُ مَجْدُ الرَّبِّ [حسب الأصل العبري: "يكون يهوه كابود"] إِلَى الدَّهْرِ. يَفْرَحُ الرَّبُّ بِأَعْمَالِهِ [حسب الأصل العبري: "يفرح يهوه"]” (مزامير 104: 31).

يوم ميلاد الرب يسوع هو يوم فرح عظيم للآب السماوي، لأنه فيه فرح الله بعمله العظيم بميلاد المسيح “اَلَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ [حسب الأصل اليوناني: "رئيس كل خليقة"]” (كولوسي 1 :15).

الله العلي أرسل روحه القدوس، وبقوته تم الحبل المقدس في أحشاء البتول العذراء القديسة مريم (لوقا 1: 35)، وهو الذي كون الجنين في بطن البتول بروحه القدوس (مزامير 139: 13). وهو الذي حفظ بتولية العذراء قبل وبعد ميلاد الطفل يسوع (حزقيال 44:2).

الله الآب هو الذي دعي اسم أبنه “يسوع” لكي يخلص شعبه من خطاياهم (متى 1: 21). واسم المولود “عمانوئيل” يذكرنا بمعية الله الآب معنا في المسيح يسوع (إشعياء 7:14، متى 1: 23).

الآب السماوي هو الذي أضاء بمجده، وكانت الملائكة تمجده يوم الميلاد المجيد، وبشرت بدخول الفرح العظيم لكل الشعب (لوقا 2: 9، لوقا 2: 14).

الآب السماوي هو الذي أرشد المجوس بالنجم إلى مكان الطفل المولود، وأرشدهم إلى طريق آخر في عودتهم (متى 2: 1-12). وهو الذي أرسل ملاكه برسالته إلى يوسف ليهرب إلى مصر ليحفظ الطفل المولود من مذبحة هيرودس لأطفال بيت لحم (متى 2: 16-21).

(4) فرح الآب بحلوله في وسط شعبه

يوم ميلاد الرب يسوع هو يوم فرح للآب السماوي لأنه في هذا اليوم قد أتي ليسكن في وسط شعبه، في شخص ربنا يسوع المسيح.

فرح وتسابيح الملائكة في يوم ميلاد الرب يسوع كان انعكاسا لفرح الآب السماوي وهو يبتهج مرنما لشعبه، لحلوله في وسط شعبه. صفنيا النبي تنبأ عن ذلك قائلا: “فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يُقَالُ لِأُورُشَلِيمَ: لاَ تَخَافِي يَا صِهْيَوْنُ. لاَ تَرْتَخِ يَدَاكِ [وَلا تَسْتَسلِمِي]. الرَّبُّ إِلَهُكِ فِي وَسَطِكِ جَبَّارٌ يُخَلِّصُ. يَبْتَهِجُ بِكِ فَرَحاً [يُسَرُّ فَرَحاً بِكِ]. يَسْكُتُ فِي مَحَبَّتِهِ [وَيُجَدِّدُ مَحَبَّتَهُ لَكِ]. يَبْتَهِجُ بِكِ بِتَرَنُّمٍ” (صفنيا 3: 16-17(.

ربنا يسوع المسيح هو ابن الله الذي حل فيه الله بملء لاهوته (كولوسي 2: 9)، كما عبر عن ذلك ربنا يسوع، وأعلن عن اتحاده مع الله الآب وقال: ” أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يوحنا 10: 30).

مولود بيت لحم هو الابن الذي سبق ووعد الله أن يمسحه بروحه ليعمل أعماله، ليبشر المساكين، ويشفي منكسري القلوب، ولينادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، ويرسل المنسحقين في الحرية (إشعياء 61: 1-2). وقد تحقق ذلك كما ورد في (لوقا 4: 18)، وجال الرب يسوع يصنع خيرا ويشفي المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه (أعمال 10: 38)، وعمل الآب الذي فيه (يوحنا 14: 10- 11).

لقد دعي اسمه “عمانوئيل” الذي تفسيره “الله معنا” (إشعياء 7: 14، متى 1: 23)، وبالإجماع “عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: “اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَد” (1 تيموثاوس 3: 16).

الخلاصة أن الآب السماوي هو مصدر الفرح بميلاد ربنا يسوع المسيح، لأن الفرح الحقيقي هو ثمرة من ثمار روحه القدوس (غلاطية 5: 22). الفرح بميلاد ربنا يسوع المسيح هو فرح لا ينطق به ومجيد (1 بطرس 1: 8)، لأنه ليس فرحا من هذا العالم.

نصلي من أجل سلام الكنيسة الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة الرسولية، ونصلي من أجل سلام أبينا البابا البطريرك الأنبا تواضروس الثاني وشركاءه في الخدمة الرسولية أصحاب النيافة المطارنة والأساقفة.

أتمنى لكم عيد ميلاد سعيد. وكل عام وأنتم بخير.

القمص أبرام سليمان

[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>