فرح عيد الغطاس

حينما نحيا في الروح، يفتح الله الآب حواسنا الروحية، فنرى يسوع ابن الله مُقبلا على المعمودية بكل اشتياقات واتضاع قلبه، ونرى السماوات المفتوحة والروح الهادئ الوديع نازلا مثل حمامة، ونسمع صوت الآب وهو يشهد عن ابنه، كما نسمع صوت المعمدان يشهد للمسيح (متى 3 : 13-17، مرقس 1: 9-11، لوقا 3: 21-22، يوحنا 1: 29-34).

الاحتفال بعيد الغطاس المجيد – ليس مجرد طقس كنسي أو مناسبة نحتفل بها – بل هو شركة مع الآب والابن في فرح وبركة هذا اليوم المبارك، لأن “شَرِكَتُنَا نَحْنُ هِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1 يوحنا 1 : 3).

١- ظهور المسيح

عيد الغطاس المجيد – في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – هو “عيد الظهور Epiphany Feast” أو “عيد الظهور الإلهي Theophany Feast”، وفيه تحتفل الكنيسة في الغرب بزيارة المجوس للمسيح، وتحتفل الكنيسة في الشرق بتعميد الرب يسوع من يوحنا المعمدان في نهر الأردن.

المفهوم العام لعيد الظهور الإلهي – في الشرق – هو إعلان ظهور الله الآب بصوته من السماء، والابن في نهر الأردن، والروح القدس نازلا مثل حمامة. ولكن المفهوم الخاص – حسب ما ورد في الكتاب المقدس – هو عيد ظهور يسوع لإسرائيل باعتباره “المسيا”، أي “المسيح ابن الله الحي الآتي إلى العالم” (متى 16 : 16، يوحنا 11 : 27)، وبدء خدمته العلنية.

كلمة “أبيفانيا” ἐπιφάνεια ومشتقاتها اليونانية – التي نستخدمها للتعبير عن عيد الغطاس المجيد – تعني “ظهور”. وقد وردت في العهد الجديد لتعبر عن ظهور نعمة الله الآب المخلصة في شخص ربنا يسوع المسيح (تيطس 2 : 11)، وظهور لطف الله مخلصنا في يسوع المسيح (تيطس 3 : 4-6)، وظهور المسيح في مجيئه الأول (٢ تيموثاوس ١٠:١)، وظهور المسيح في مجيئه الثاني أيضا (2 تسالونيكي 2 : 8 ، ١ تيموثاوس ١٤:٦، ١:٤، 2 تيموثاوس ٨:٤، تيطس ١٣:٢).

لم يكن الرب يسوع قد بدأ خدمته العلنية قبل معموديته من يوحنا، إنما بدءأها بعد المعمودية، وكان قد بلغ نحو ثلاثين سنة  من عمره على الأرض (لوقا 3 : 23)، ولهذا لم يكن قد ظهر للناس باعتباره المسيا الآتي لخلاص العالم (يوحنا 4 : 25)، ولكنه كان معروفا عند البعض أنه فقط ابن النجار وأمه مريم (متى 13 : 55).

الشهادة الأولى والأعظم – التي كانت لازمة لظهور المسيح وبدء خدمته العلنية – هي شهادة الله الآب السماوي: “هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (متى 3 :17، مرقس 1 : 11، لوقا 3 : 22). هذه الشهادة من السماء مع نزول الروح القدس على الرب يسوع كانت أشبه بطقس تقديس أو تكريس الرب يسوع لرسالته باعتباره المسيا الآتي مخلص العالم، وقد أتم هذا التكريس بيد الله الآب السماوي نفسه. حقا كان اختيار يسوع معروفا في فكر الآب السماوي “قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ”، ولكنه “أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ”، أي أن الآب السماوي قد أظهره في الأيام الأخيرة من أجلنا (1 بطرس 1 : 20).

الشهادة الثانية هي شهادة القديس يوحنا المعمدان للرب يسوع. ففي اليوم التالي بعد معمودية الرب يسوع من يوحنا، رآه وشهد عنه قائلا: “هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ… لِيُظْهَرَ لِإِسْرَائِيلَ لِذَلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالْمَاءِ”، “إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ لَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لِأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرّاً عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هَذَا هُوَ ابْنُ اللَّهِ” (يوحنا 1 : 29-34).

لقد كانت شهادة يوحنا عن الرب يسوع ضرورية بالنسبة للشعب لأن يوحنا كان عند الجميع نبي بالحقيقة (متى 21 : 26، مرقس 11 : 32)، وقد مدحه السيد المسيح وأشار إلى شهادته، ولكن الشهادة الأعظم – عند الرب يسوع – هي شهادة الآب والأعمال التي يعملها باسم الآب. قال الرب يسوع: “أَنَا لاَ أَقْبَلُ شَهَادَةً مِنْ إِنْسَانٍ، وَلَكِنِّي أَقُولُ هَذَا لِتَخْلُصُوا أَنْتُمْ. كَانَ هُوَ [يوحنا المعمدان] السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ وَأَنْتُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِنُورِهِ سَاعَةً. وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ – الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لِأُكَمِّلَهَا – هَذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي” (يوحنا 5 : 34-36).

كانت رسالة يوحنا المعمدان أن يهيئ للرب شعبا مستعدا، ويعد قلوبهم لرسالة الملكوت التي يكرز بها يسوع المسيح، وهذا كان واضحا في بشارة الملاك جبرائيل لزكريا الكاهن، إذ قال عن يوحنا أنه: “يَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلَهِهِمْ. وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْباً مُسْتَعِدّاً” (لوقا 1 : 13-17).

كان يوحنا المعمدان يعلم جيدا أن رسالته هي تمهيد لظهور المسيح لإسرائيل. حينما جاء بعض الفريسيين ليسألوا يوحنا: “من أنت؟” أجابهم مشرا إلى رسالته، فأجابهم: “أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: قَوِّمُوا طَرِيقَ الرَّبِّ كَمَا قَالَ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ” (يوحنا 1 : 19-23).

إجابة القديس يوحنا المعمدان تشير إلى نبوة إشعياء التي تحمل التعزية والبشارة بإعلان مجد الرب، ورسالة يوحنا المعمدان في إعداد الطريق لمجيء الرب في شخص المسيح: “عَزُّوا عَزُّوا شَعْبِي يَقُولُ إِلَهُكُمْ. طَيِّبُوا قَلْبَ أُورُشَلِيمَ، وَنَادُوهَا بِأَنَّ جِهَادَهَا قَدْ كَمِلَ، أَنَّ إِثْمَهَا قَدْ عُفِيَ عَنْهُ، أَنَّهَا قَدْ قَبِلَتْ مِنْ يَدِ الرَّبِّ ضِعْفَيْنِ عَنْ كُلِّ خَطَايَاهَا. صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلاً لإِلَهِنَا. كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَلٍ وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعَوَّجُ مُسْتَقِيماً، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلاً. فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ، وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعاً، لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ” (إشعياء 40 : 1-5).

٢- تكميل بر الله

كانت معمودية يوحنا هي “مَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا” (مرقس 4:1)، وجميع الذين اعتمدوا من يوحنا كانوا خطأة، وجاءوا “مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ” (متى 6:3، مرقس 5:1). الوحيد الذي لم يكن له خطايا شخصية ليعترف بها – كباقي الناس – هو السيد المسيح لأنه لم يفعل خطية، فهو “لَمْ يَعْمَلْ ظُلْماً وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ” (إشعياء 53 : 9)، “لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ” (1 بطرس 2 : 22)، ومع أنه “مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا” لكنه كان “بِلاَ خَطِيَّةٍ” (عبرانيين 4 : 15)، “قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلاَ دَنَسٍ” (عبرانيين 7 : 26). وقد قال فيما بعد: “مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟” (يوحنا 8 : 46).

ولكن يسوع المسيح تقدم للمعمودية – لا من أجل نفسه فقط – بل أيضا كان نائبا عن كل البشرية، لذلك كان القديس يوحنا على حق تام حينما رأي يسوع وشهد عنه قائلا: “هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ” (يوحنا 1 : 29، يوحنا 1 : 36). معمودية يوحنا كان لها جانب أعمق في فكر يسوع المسيح، فهي اعتراف ببر الله، وطاعة كاملة لوصايا الله. لذلك قال السيد المسيح ليوحنا حينما حاول منعه من المعمودية: “اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هَكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ [أي: ينبغي أن نتمم كل صلاح يطلبه الله]” وحينئذ سمح له (متى 3 : 15).

جميع الشعب الذين اعتمدوا من يوحنا اعترفوا ببر الله، أما الفريسيون والناموسيون الذي رفضوا معمودية يوحنا فقد رفضوا الخضوع لخطة الله وقصده لحياتهم. قال الرب يسوع: “جَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ سَمِعُوا وَالْعَشَّارُونَ بَرَّرُوا اللهَ [أي: أنهم اعْتَرَفُوا بِبِرِّ اللهِ] مُعْتَمِدِينَ بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا. وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ وَالنَّامُوسِيُّونَ فَرَفَضُوا مَشُورَةَ اللهِ مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِهِمْ [أي: أنهم رفضوا الخضوع لخطة الله وقصده لحياتهم] غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ مِنْهُ” (لوقا 7 : 29-30).

منذ سقوط آدم – وحتى المسيح – لم يوجد من استطاع أن يحفظ وصايا الله كاملة وتتميم بر الله سوى يسوع المسيح. “الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (رومية 3 : 12)، “إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رومية 3 : 23). ولكن كان سرور يسوع المسيح أن يفعل مشيئة الآب السماوي.

وإصرار يسوع على قبول المعمودية من يوحنا كان إعلانا واضحا أنه جاء ليعمل مشيئة الله الآب، وهذا كان منهج حياته طوال الثلاثين سنة الماضية وحتى أخر يوم في حياته بالجسد الأرض. وهذا الإصرار أوضحه أيضًا الفعل اليوناني διεκώλυεν في (متى ٣: ١٣) “ولكن يوحنا منعه”. الفعل هنا في زمن الماضي الناقص imperfect الذي يعبر عن استمرارية الفعل، أي أن المسيح حاول أكثر من مرة وفي كل مرة كان يمنعه يوحنا؛ وهذا يوضح كما قلنا إصرار يسوع.

هكذا قيل عنه في المزامير: “أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلَهِي سُرِرْتُ [فرحي وسروري هو عمل مشيئتك يا الله]. وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي [شريعتك في أعماقي]” (مزامير 40 : 7-8)، وهذا ما أعلنه الرب يسوع أكثر من مرة: “طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ” (يوحنا 4 : 34)، “الَّذِي أَرْسَلَنِي [الآب] هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ” (يوحنا 8 : 29). “وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ” (فيلبي 2 : 8).

لم تكن طاعة يسوع المسيح وبره لأجل نفسه فقط بل لحساب البشرية، فقد قال لله الآب: “لأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ” (يوحنا 17 : 19)، “وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي” (يوحنا 17 : 22). وبولس الرسول: “وَإِذْ كُمِّلَ [بعد أن جعل الآب ابنه يسوع المسيح كاملا] صَارَ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ سَبَبَ خَلاَصٍ أَبَدِيٍّ” (عبرانيين 5 : 9). طاعة يسوع المسيح الكاملة لله الآب صارت ميراثا لكل المؤمنين باسمه، لأن الروح القدس يأخذ مما ليسوع المسيح ويعطينا (يوحنا 16 : 15)، “وَمِنْ مِلْئِهِ [من ملء يسوع المسيح] نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ” (يوحنا 1 : 16)، وصرنا “مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ” (فيلبي 1 : 11)، ونحن “مَمْلُوؤُونَ فِيهِ، الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ” (كولوسي 2 : 10).

الله الآب جعل الكثيرين أبرارا، لأجل طاعة السيد المسيح المطلقة له، “لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ [خطية أدم الأول] قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيراً الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَإِذاً كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هَكَذَا بِبِرٍّ وَاحِدٍ [بطاعة المسيح للآب] صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ. لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ [أدم الأول] جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هَكَذَا أَيْضاً بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ [يسوع المسيح] سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَاراً” (رومية 5 : 17-19).

٣- نزول الروح القدس

في العهد القديم كانوا يمسحون الملوك والأنبياء والكهنة بدهن الزيت، الذي يمثل حلول الروح القدس عليهم، ليقوموا بالخدمة في رتبة الملوك والأنبياء والكهنة، كما في (1 ملوك 19 : 15-16، 1 ملوك 39:1-40، 1 صموئيل 13:16، لاويين 12:8). ولم يحدث أن أحدا جمع الوظائف الثلاثة، فمثلا كان دَاوُدَ ملكا ونبيا ولم يكن كاهنا، وكان صموئيل نبيا وكاهنا ولم يكن ملكا. والوحيد الذي جمع في شخصه هذه الوظائف الثلاثة هو الرب يسوع، فهو الملك ورئيس ملوك الأرض، وهو المسيا، ورئيس الكهنة على رتبة ملكيصادق.

كان يوم معمودية الرب يسوع هو يوم مسحه بالروح القدس. فقد كان يسوع في حالة صلاة إلى الله الآب وهو صاعد من المياه، فانفتحت السماوات له، ورأى روح الله نازلا عليه بهيئة جسمية مثل حمامة (متى 3 : 16، مرقس 10:1، لوقا 3 : 21-22).

نزول الروح القدس على السيد المسيح كان ضروريا من أجل خدمته الكرازية و البشارة بملكوت الله. فبعد أن تم القبض على يوحنا المعمدان – بواسطة جنود هيرودس- جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول:  “قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللَّهِ فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ” (مرقس 1 : 14-15).

المسحة التي نالها الرب يسوع – وهو في الجسد يوم معموديته – كانت “روح الفرح” أو “دهن الابتهاج”، وذلك حسب ما ورد في المزمور الذي كانوا ينشدونه في العهد القديم عند مسح الملك، ويقولون: “أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِدُهْنِ الاِبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ” (مزامير 45 : 7). وقد اقتبس القديس بولس الرسول نفس المزمور في كلامه عن مجد الابن: “أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِزَيْتِ الاِبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ” (عبرانيين 1 : 9)، ولذلك حملت كرازته طابع الفرح.

الإنجيل الذي كان الرب يسوع يكرز به هو “الخبر السار” الخاص بملكوت الله أي سيادة الله كملك على الناس ليحول حياتهم إلى فرح الملكوت.

لقد سبق أن تنبأ إشعياء النبي عن حلول الروح القدس على المسيح، وقال: رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي، لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ. لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ” (إشعياء 61 : 1-3).

وقد تحقق ذلك في شخص الرب يسوع حسب ما ورد في إنجيل لوقا. ففي مجمع الناصرة وقف يسوع ليقرأ من سفر إشعياء النبي، ولما فتح السفر وجد الموضع الذي مكتوبا فيه: “رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ، ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ”. وعلق على ذلك بقوله: “إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هَذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ” (لوقا 4 : 16-21).

كان نزول الروح القدس بهيئة جسمية إعلانا من الله الآب أن يسوع هو الذي يعمد بالروح القدس. لذلك قال القديس يوحنا المعمدان: “وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ لَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لِأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرّاً عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ” (يوحنا ٣٣:١).

كان حلول الروح القدس على الرب يسوع – وهو في الجسد يوم معموديته – أيضا من أجلنا نحن المؤمنين باسمه. لأن الله الآب قد مسحنا وختمنا في شخص المسيح وأعطانا “عربون الروح في قلوبنا” (2 كورنثوس 1 : 21-22)، “وَمِنْ مِلْئِهِ [من ملء المسيح] نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ” (يوحنا 1 : 16).

٤- شهادة الآب عن ابنه

بعد صعود الرب يسوع من المياه شهد الله الآب عن يسوع أنه ابنه الحبيب: “وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً: هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (متى 3 :17، مرقس 1 : 11، لوقا 3 : 22). وتكررت شهادة الله الآب عن ابنه أيضا على جبل التجلي فيما بعد، “إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ وَصَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً: هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا” (متى 17 : 5).

لا شك أن صوت الله الاب كان بقوة مثل الرعد وبمجد عظيم: “صَوْتُ الرَّبِّ [صوت يهوه] عَلَى الْمِيَاهِ. إِلَهُ الْمَجْدِ أَرْعَدَ. الرَّبُّ [يهوه] فَوْقَ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ. صَوْتُ الرَّبِّ [صوت يهوه] بِالْقُوَّةِ. صَوْتُ الرَّبِّ [صوت يهوه] بِالْجَلاَلِ” (مزامير 29 : 3-4 – مزمور باكر عيد الغطاس).

ما يؤكد أن صوت الآب كان مثل الرعد هو ما حدث حينما طلب الرب يسوع من الآب أن يمجد اسمه، فجاء صوت من السماء: “مَجَّدْتُ وَأُمَجِّدُ أَيْضاً”، والجمع الذي كان واقفا وسمع قال: “قَدْ حَدَثَ رَعْدٌ”، وآخرون قالوا: “قَدْ كَلَّمَهُ ملاَكٌ” (يوحنا 12 : 28-29).

سماع صوت الله الآب من السماء – مع وجود الابن بالجسد على الأرض – يعبر عن التمايز بين الآب والابن مع وجود الاتحاد بينهم، وذلك بعكس ما قاله سابليوس وما هو في ذهن الكثيرين الآن أن يسوع هو الآب والآب هو يسوع.

حقيقة الأمر أن الآب هو الآب والابن هو الابن، وحينما قال الرب يسوع: “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يوحنا 10 : 30) كان يشير إلى الاتحاد بينهما، ولكن لم يكن يقصد القول أن “يسوع هو الآب” أو أن “الآب هو يسوع”، بل أشار إلى الآب وإلى نفسه كأنهما رجلين – تؤخذ شهادتهما حسب الناموس – وقال: “فِي نَامُوسِكُمْ مَكْتُوبٌ: أَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ حَقٌّ. أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي” (يوحنا 8 : 17-18). وفي أكثر من موضع يتكلم السيد المسيح إلى الآب ومعه باعتباره أبيه.

تحمل شهادة الآب عن الرب يسوع – بقوله “هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (متى 3 : 1) – معنى قبول وفرح الآب بحياة يسوع المسيح، وأنه بالحقيقة ابنه الذي “هُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ” (عبرانيين 1 : 3)، وقد كانت هذه الشهادة بعد ثلاثين عاما من وجوده بالجسد على الأرض (لوقا 3 : 23)، وقد سبق أن رآه قبل تأسيس العالم حملا بلا عيب ولا دنس (1 بطرس 1 : 19).

فرح الآب وقبوله شخص ربنا يسوع المسيح هو ميراث لنا نحن المؤمنين باسمه، فقد صرنا مقبولين ومحبوبين لدى الآب فيه. في يسوع المسيح -الابن المحبوب- باركنا الله الآب “بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ”، و”اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ”، و”عَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي- بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ – لِنَفْسِهِ”، وذلك “لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ، الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ [في يسوع المسيح]” (أفسس 1 : 3-7). وفي يسوع المسيح صار لنا “جَرَاءَةٌ وَقُدُومٌ”، في “رُوحٍ وَاحِدٍ إِلَى الآبِ” (أفسس 2 : 18، 3 : 1) .

الإيمان بأن يسوع المسيح هو ابن الله معناه تصديق وقبول شهادة الله الآب التي شهد بها عن ابنه، لنوال الحياة الأبدية، لأن “مَنْ لَهُ الاِبْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ” (1 يوحنا 5 : 9-13)

الخلاصة

عيد الغطاس هو يوم فرح الآب بابنه يسوع المسيح، وفرح يسوع المسيح بشهادة الآب له، ونزول الروح القدس عليه، وهو شركتنا نحن في فرح الآب والابن بالروح القدس، لأننا في المسيح صرنا نحن أولادا محبوبين لقلب الله الآب، و ورثة الله و وارثون مع المسيح في مجد الله الآب (رومية 8 : 17)، و أسماؤنا صارت مكتوبة في سفر حياة الخروف (رؤيا 27:21).

 

Fr. Abraam Sleman

[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>