الترشيح للبابوية الجليلة – القمص أبرام سليمان

في هدوء بعيدا عن الانفعال أود أن أناقش موضوع الترشيح لرتبة البابوبة الجليلة في ضوء كلمة الله، والقوانين الكنسية في هذا الصدد..

  1. في البداية ارجو ألا يفهم أحد أن هذا المقال هو لتأييد أي من الآباء الموقرين المرشحين أو ضد أحدهم، وأمامي الكثير من الاعتبارات منها:

a) أرجو أن أكون أمينا في كل كلمة أكتبها بنعمة الرب كشهادة للحق، ففي ذهني وقلبي قول أشعياء النبي: “وَيْلٌ لِلْقَائِلِينَ لِلشَّرِّ خَيْراً وَلِلْخَيْرِ شَرّاً الْجَاعِلِينَ الظَّلاَمَ نُوراً وَالنُّورَ ظَلاَماً الْجَاعِلِينَ الْمُرَّ حُلْواً وَالْحُلْوَ مُرّاً” (اشعياء 5 : 20).

b) كل أب من آباء الكنيسة له كرامته الخاصة عند الله والناس وفي قلبي كرؤساء للشعب، لأنه مكتوب: “أَمَّا الشُّيُوخُ الْمُدَبِّرُونَ حَسَناً فَلْيُحْسَبُوا أَهْلاً لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ” (1 تيموثاوس 5 : 17)، “رَئِيسُ شَعْبِكَ لاَ تَقُلْ فِيهِ سُوءاً” (اعمال 23 : 5).

c) نشكر الله أن كنيستنا – في جيلنا الحالي – تنعم بكوكبة عظيمة من الأباء المطارنة والأساقفة والرهبان الذين لهم تاريخ  طويل وخبرات مباركة في الخدمة، وعيني الرب تفحصان وتنظران، وسيشير الرب لمن يختاره لهذه الرتبة الجليلة في هذا الوقت الحرج من تاريخ الكنيسة.

2. مع الوعي الكامل بايجابيات وسلبيات لائحة 1957 السارية حاليا لانتخاب الآب البطريرك، أرجو من كل قلبي ألا تكون هذه الأمور موضوع انقسام في الكنيسة المقدسة، بل بخضوع بنوي يجب أن نقبل بكل شكر وتقدير ما قرره وما يقرره الأباء المعتبرون أعمدة بالكنيسة في المجمع المقدس برئاسة نيافة القائم مقام الأنبا باخوميوس بشأن إجراءات الترشيح والانتخاب للبابا الجديد، وذلك حفاظا علي وحدة الكنيسة وسلامها، وبالأخص في هذا الوقت العصيب الذي تمر به الكنيسة في مصر…

3. كنت أود لو كانت هناك فرصة مناسبة ليقوم الآباء الموقرون بالمجمع المقدس بتعديل لائحة اختيار الآب البطريرك، وذلك لتناسب ظروف الكنيسة في عصرنا الحالي، بما في ذلك من له الحق في الترشيح ومن له الحق في التزكية والانتخاب.

4. كثيرون عبروا عن رأيهم بعدم قانونية ترشيح الأباء الاساقفة لرتبة البابوية الجليلة، ورأوا أن يكون أعلى رتبة للمرشح هي رتبة “قمص”، واستندوا إلي هذا بالاشارة إلي كثير من القوانين الكنسية بما في ذلك قانون 15 لمجمع نيقية وقانون 14 للآباء الرسل وغيرها. وإذ أقدر غيرة الكثيرين للالتزام بقوانين الكنيسة، أود أن ألفت النظر إلى الآتي:

a) قوانين الأباء الرسل وقوانين نيقية وغيرها – في هذا الصدد – هي قوانين مسكونية تحكم العلاقة بين الكراسي المسكونية مثل كرسي الاسكندرية وأورشليم والقسطنطينية وغيرها. ولسنا بصدد مثل هذه الحالات في جيلنا الحاضر، فلم نسمع عن أسقف في الكنيسة القبطية تقدم لرسامته بطريركا في الكنيسة السريانية مثلا للاستيلاء عليها، أو لتوسيع كرسي الاسكندرية.

b) هذه القوانين الكنسية  تحرم انتقال اسقف من ابروشيته إلى أبروشية أخرى في حالات السعي والمحاولة بنفسه للانتقال بهدف الاستيلاء على رعية ليست له أو لتوسيع أبروشيته. ولا أعتقد أننا بصدد مثل هذا الأمر في جيلنا الحاضر، فلم نسمع عن أسقف كرسي في الكنيسة القبطية قام بالسطو على إيبارشية أخري للاستيلاء عليها، أو توسيع إيبارشيته.

c) بخصوص ما يقال عن موضوع السعي لرتبة البابوية، أقول باستحياء شديد أن هذا الأمر يعرفه الرب وحده، وهو الذي يكشف ذلك للجنة الترشيحات، وهم أعلم بمجريات الأمور في الأحوال الكنسية، بما لهم من حكمة إلهية وتاريخ مبارك في الخدمة وغيرة مقدسة على سلام الكنيسة ووحدتها، ولهم دراية أكثر بتاريخ وخدمة الآباء المرشحين، ويساعدهم في ذلك ما يقدم لهم من طعون موضوعية أمينة.

5-  ماورد ذكره في بند 4 عاليه بخصوص قانون 14 للآباء الرسل بشأن عدم السعي الشخصي لرتبة البابوية الجليلة يتفق مع الفكر الكتابي الذي يحتم:

a)    “وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ [الكرامة] بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُّوُ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضاً” (عبرانيين 5 : 4).

b)    “إِذاً مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ” (1 كورنثوس 10 : 12).

c)    “فَإِنِّي أَقُولُ بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي لِكُلِّ مَنْ هُوَ بَيْنَكُمْ: أَنْ لاَ يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ بَلْ يَرْتَئِيَ إِلَى التَّعَقُّلِ كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَاراً مِنَ الإِيمَانِ” (رومية 12 : 3).

6- القوانين الكنسية لا تمانع من اختيار الأب الأسقف وترقيتة إلى رتبة رئيس أساقفة، وذلك لمنفعة الكنيسة وبطريقة روحية مقبولة، كما ورد في قانون 14 للآباء الرسل، وذلك بالاشتراطات التالية:

a) لا يكون ذلك بناء على طلب الأسقف نفسه: “لا يفعل ذلك من تلقاء نفسه”.

b) أن يكون ذلك لمنفعة الكنيسة: “إذا كان في استطاعته ان يوزع هناك كلام التقوى بافادة أكبر”

c) أن يكون ذلك ” بمشورة كثير من الأساقفة”

d) ان يكون النقل بالحاح كثير من الأساقفة “وتوسل كثير”.

7-  ماورد ذكره في بند 6 عاليه بخصوص قانون 14 للآباء الرسل بشأن عدم الممانعة من اختيار الأسقف لرتبة الأب البطريرك لمنفعة للكنيسة وبالأخص من أجل الكرازة بالكلمة، فهذا أمر يتفق مع الفكر الكتابي الذي يحتم:

a) أنه لمجد الله أن يوضع السراج المنير على المنارة: “وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجاً وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ. فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هَكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (متى 5 : 15-16).

b) في مثل السيد والعبيد الذي سلمهم الأمناء، أرسى الرب يسوع مبدأ “إِنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ [أمانة أوخدمة مثمرة] يُعْطَى، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ” (لوقا 19 : 16-26)، وقال لعبده الأمين: “نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ لأَنَّكَ كُنْتَ أَمِيناً فِي الْقَلِيلِ فَلْيَكُنْ لَكَ سُلْطَانٌ عَلَى عَشْرِ مُدُنٍ”، أما غير الأمين، فقد قال عنه: “خُذُوا مِنْهُ الْمَنَا وَأَعْطُوهُ لِلَّذِي عِنْدَهُ الْعَشَرَةُ الأَمْنَاءُ”.

c) مثل هذا المبدأ معمول به في ترقية الشماس إلى رئيس شمامسة والقس إلى قمص والأسقف إلى مطران، فلماذا لا يطبق على رتبة رئيس الأساقفة؟ فإذا كان روح الله يقبل أن يمسح راهبا ليكون رئيس أساقفة ألا يقبل أن يمسح مطرانا أو أسقفا أمينا له خدمة مباركة أن يكون رئيس أساقفة؟ “اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا لَكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هَكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ” (يوحنا 3 : 8).

8-  تعليقا على ما ذكرته في بنود (6، 7) عاليه، أشير إلى موقف ورأي مثلث الرحمات البابا الأنبا شنوده الثالث في هذا الأمر:

a) قبول مثلث الرحمات البابا الأنبا شنوده الثالث لرتبة البابوية معناه قبوله الضمني لمبدأ ترقية الأب الأسقف  لرتبة الأب البطريرك، حيث كان قداسته أسقفا عاما قبل اختياره ليكون البابا البطريرك.  

b) ذكر أحد الآباء المطارنة الموقرين أن مثلث الرحمات البابا الأنبا شنوده الثالث قد صرح في حديث مع نيافته بعدم ممانعته بترشيح الآباء الأساقفة، مستندا على تقديره لخبرة الأب الأسقف في الخدمة. هذا التصريح لمثلث الرحمات البابا الأنبا شنوده الثالث ورد في حديث تلفزيوني قبل انتقال قداسته ببضعة شهور، ولم ينفه أحد.

c) رفض المتنيح البابا الأنبا شنوده الثالث بشدة تعديل لائحة 1957، وكان من اسباب رفضه التي أعلنها جهارا هو حتي لا تكون التعديلات سببا لترجيح بعض المرشحين أو لاستبعاد بعضهم. كما أصر على مبدأ “القرعة الهيكلية” ليكون الرأي النهائي لله وحده.

 d) ما ورد عاليه من جهة قداسة البابا يعنبر نوعا من المراجعة والتعديل لما سبق أن كتبه قداسة البابا قبل رهبنته في مجلة مدارس الأحد، وهذا التراجع حدث بعد مشواره الطويله في الخدمة كبطريرك. وحتى لا ينزعج القارئ مما أقوله، أود أن أذكر أن مبدأ “التراجعات” معروف في تاريخ القديسين مثل “تراجعات القديس أغسطينوس”، وتحدث هذه التراجعات نتيجة رؤية الأمور بنظرة أعمق، وهو أمر مقبول طالما أنه لا يتعارض مع رؤية الكتاب المقدس والقوانين الكنسية المعترف بها.

 e) تاريخ العلاقة الحميمة والحب المتبادل بين مثلث الرحمات البابا الأنبا شنوده الثالث – بعد رسامته بطريركا – والمتنيح القمص بيشوي كامل، يعتبر أيضا نوعا من التراجعات من جانب المتنيح القمص بيشوي كامل بشأن ما كتبه سابقا في هذا الصدد قبل انتخاب قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث حيث كان قداسته أسقفا عاما قبل رسامته بطريركا ولم يكن هذا أمرا مقبولا في نظر المتنيح القمص بيشوي كامل.

9. من الناحية القانونية البحتة، أخشى أن يكون صدور قرار من المجمع المقدس باستبعاد أي جماعة من المذكورين في لائحة 1957، سببا للطعن في قانونية اختيار البابا فيما بعد، الأمر الذي قد يؤدي بالكنيسة بأن يكون لها أب بطريرك جديد ولا تعترف الدولة بقانونيته. وهذا الأمر لا يخفي على الأباء الموقرين بالمجمع المقدس والسادة المستشارين بلجنة الترشيحات.

10. بصراحة كاملة أود القول أنه إذا كان اعتراض البعض على ترشيح فئة معينة من المرشحين هو بسبب الاعتراض على شخص بصفة خاصة أو أشخاص من هذه الفئة، ففي هذا الصدد أشير إلى الآتي:

a) الاعتراض على شخص بصفة خاصة أو أشخاص لا يصلح أن يكون مبدأ عاما لاستبعاد فئة بأكملها تشمل آباء معروفين بالحكمة الإلهية والخدمة المباركة ومحبوبين لشعب الرب.

b) موضوع الاستبعاد من الترشيحات أمر منوط به لجنة الترشيحات، وما يقدم لهم من طعون أمينة وموضوعية بما يكفل سلام الكنيسة ووحدتها ورسالتها الروحية ، كما أنه مسئولية الناخبين في الادلاء بأصواتهم بما تمليه عليهم ضمائرهم المقدسة دون مجاملة أو تحزب.

الخلاصة

هناك الكثير الذي يمكن قوله في هذا الصدد، ولكن أكتفي بهذا القدر. وخلاصة الأمر أنه في حالة الالتزام بلائحة 1957، وبناء على ماورد ذكره في البنود المذكورة عاليه أري أنه:

1- الكتاب المقدس والقوانين الكنسية لا تمنع ترشيح الآباء المطارنة والأساقفة والرهبان، طالما أن ذلك لمنفعة الكنيسة، ويتم بطريقة روحية مقبولة، كما هو مذكور سابقا. 

2- في نهاية عمليات الترشيح والانتخاب، سيكون القرار الأخير في هذا الأمر هو لله وحده. وفي هذا الصدد أشير إلى الآتي:

a. أرجو أن يكون الكل مستعدين لقبول اختيار الله، وإلا ما هو معنى الصلاة في الليتورجيات أن ينعم لنا الرب براعي صالح يرعى شعبه بطهارة وعدل؟ لذلك يجب أن نطلب من القلب أن يكون الاختيار من الله مهما كانت رتبته الكهنوتية.

b.   في اختيار داود ليكون ملكا، اشترك صموئيل النبي مع يسى في اجراءات الاختار، ولكن كانت الكلمة النهائية لله. فقد كان من رأي صموئيل إختيار “إلياب” أخو “داود” لأنه “طويل القامة”، ولكن الرب قال لصموئيل: “لاَ تَنْظُرْ إِلَى مَنْظَرِهِ وَطُولِ قَامَتِهِ لأَنِّي قَدْ رَفَضْتُهُ. لأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ الْإِنْسَانُ. لأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ” (1 صموئيل 16 : 6-7)، ووقع الاختيار في النهاية علي داود الذي قيل عنه أنه “الصغير” الذي “يرعى الغنم” (1 صموئيل 16 : 11).

3- من الناحية الرعوية، ومع اتساع دائرة الكرازة المرقسية في العالم كله، لا أرى أن هناك ما يمنع – كتابيا أو كنسيا – من قيام الآب البطريرك الجديد برسامة أساقفة كراسي أو أساقفة عموميين لمناطق الأسكندرية والقاهرة والمهجر..

نطلب من الرب سلاما للكنيسة، ونياحا لنفس أبينا مثلث الرحمات البابا الأنبا شنوده الثالث، وأن يقيم الرب لنا راعيا صالحا يرعى شعبه بالطهارة والبر، بصلوات نيافة الأنبا باخوميوس القائم مقام البطريرك، والأباء أعضاء المجمع المقدس.

القمص أبرام داود سليمان

frsleman@CopticChurch.net